IMLebanon

أوباما، ودموع التماسيح.

غدا: يُسلّم أوباما سلطاته كرئيس للولايات المتحدة… إلى خليفته المنتظر ترامب، وسط تظاهرتين شعبيتين متناقضتين متناهضتين، شكلا ومضمونا، واحدة مؤلفة من تجمع شعبي ووطني مضاد لترامب وأخرى من تجمع مناقض يؤيده في سياساته وتوجهاته المتوقعة، وفي ذلك قسمة عمودية لمواطني بلد يسود العالم حتى الآن ويقوده وسط تحركات الشعوب التطويرية، ومن خلال دول عديدة، تسعى لافتراس ما أمكنها من التفوق الأميركي في معظم ميادينه السياسية والعسكرية والإقتصادية والتكنولوجية، والحلول مكان الولايات المتحدة في أية قمة من قمم العالم المتطورة التي تشغلها هذه السوبر دولة منذ عقود طويلة.

كنت قد ذكرت في افتتاحية سابقة تناولتُ فيها «أفضال» أوباما على العالم العربي، خاصة على سوريا حيث كان صاحب الدور الأول في البلاوي والمصائب التي طاولتها، وكنا وما نزال معرّضين في لبنان إلى الإكتواء بنيرانها التي تناولت الحجر والبشر، كما كنت قد ذكرت أني سأتوقّف بعد ذلك عن التطرّق إلى أي حديث عن ذلك الرئيس الذي خالف جميع القواعد والأسس الأخلاقية والحضارية والإنسانية فهرب منها وفضّل عليها تلك المأساة المستمرة التي تسببت بمئات الألوف، بل بملايين الضحايا من خلال شتّى صنوف القتل والتدمير والتهجير والتشريد التي طاولت الشعب السوري، بدءا من أطفاله، وهم أبرز ضحايا مأساته، وصولا إلى جميع فئات مواطنيه الذين طاولتهم النكبة وزرعتهم في أصقاع العالم أجمع وصولا إلى شتى أنحاء أوروبا التي باتت تتلمّس بكثير من الحذر والتخوف والتحسب، أوضاعها الأمنية التي طاولتها طراطيش هذه الدياسبورا العربية المستجدة والتي باتت تتماشى مأسوياً مع زميلتها المأساة الفلسطينية، التي شهدت باريس قبل أيام قليلة مؤتمرا أمميا دوليا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا مشروع حلّ الدولتين بعد ان طغت عليه سياسات الإستيطان، وتكاد أن تكتم أنفاسه كليا ونهائيا.

قبل أيام، وفي احتفال ضمّ أنصاره وأفراد عائلته، تساقطت الدموع من عيني الرئيس الراحل أوباما!!، إذن ما زال في «ضمير» هذا الإنسان بعضٌ من الأحاسيس التي دفعت بالدموع إلى عينيه!! إذن ما زال فيه بعض من شعور، خاصة وأنه سبق له قبل أيام أن صرّح بأن المأساة السورية تؤرقه وتمنعه أحيانا من النوم!! لا يا شيخ! أكثرتها علينا وعلى كلّ الناس خاصة منهم، أبناء هذه المنطقة من العالم الذين غمرتهم بكثير من الكلمات المعسولة والتصريحات والوعود الهوائية، ألم يسبق لك أن زرت عددا من البلدان العربية والإسلامية ومنها القاهرة والرياض وأطلقت منهما ما يشبه التعهد بالدفع إلى إنشاء الدولتين المتفق أساسا على انشائهما: الفلسطينية والإسرائيلية، وتهربت من هذا الوعد خاصة في خضم ولايتك الثانية، فبلعته وتجاهلته وأدخلته بين ما أدخلت في غياهب التجاهل والتناسي، ألم يسبق لك أن أضعت على السوريين فرصةً للإنقاذ والخلاص يوم تركت سوريا الغارقة في بدايات تحطيمها وتدميرها وإغراقها بدماء الأبرياء والإختناق الكيماوي، فغضضت النظر والقلب والضمير عن تنامي مأساتها، وكان ما كان من تأجيجٍ لمصائبها المستمرة منذ ما يزيد على الأعوام الستة؟. ألم تطلق عملياً، يد إيران في محيطها الإقليمي، مما أدّى إلى كل هذا التدخل العنصري والمذهبي وكل هذا الإستفحال المأساوي القاتل في أكثر من بلد عربي؟ ألم يمسك بك زميلك وخصمك بوتين من خناقك فجرّد بلادك من تفوقاتها المعنوية والعسكرية والسياسية، وأطبق بكل عنجهيةٍ وهمجية على الأنفاس السورية أرضا ودولة وشعبا ومؤسسات، وطمعا في ثروات نفطية مرتقبة، وتحقيقا لغايات استراتيجية دولية الطابع، لَوَتْ روسيا بها اليد الأميركية والهيبة التي كانت لها في داخلها وفي العالم كله، كدولة هي الأقوى والأقدر والأكثر امتدادا في القوة والنفوذ، فأقصاها التدخل الروسي في سوريا عن الفعل والفاعلية بل عن معنوياتٍ هامةٍ كانت لها فتضاءلت صورتها المتفوّقة وهيبتها الراسخة إلى حدود التلاشي.

لقد ذَرَفْت بالأمس دموعا، ولكنها حتما لم تكن دموع التأثر بما جنت يداك وأفعالك في سوريا وسواها، كثيرون في بلادك وفي هذا العالم، يميلون إلى الجزم بأنها مشتقة من دموع التماسيح وسببها الأساسي توق مستمر إلى «أيام العزّ» التي قضيتها في البيت الأبيض.

لقد ذكرت أن ما تطورت إليه أحداث سوريا أقلقك وحرمَكَ من النوم لفرط التأثر!، ولكن العالم العربي وربما العوالم الأخرى، يرفضون تصديق هذه المزاعم ذات الطابع الإستهلاكي والتبريري، حيث يمكنك إضافتها إلى دموع التماسيح التي تقاطرت إلى عينيك.

غدا… تُسلّمُ الرئاسةَ إلى خلفك ترامب، وهي قد باتت إرثا ثقيلا لبلادك وللعالم أجمع، خاصة وأن رئاسته المقبلة تنبيء بأوزار كبيرة سيرتكبها، وأنت مسؤول بالتالي عن جزء منها، بعد أن هيأت سياستك الداخلية والخارجية إلى مجيء القائد الأسوأ للإمساك بمقاليد الدولة الأقوى والأفعل. حصيلةُ ما تركَتهُ للولايات المتحدة أيها الرئيس الراحل، عن رئاسة أبكاك فراقها: فشلٌ في عديدٍ من سياساتك الداخلية، وفشلٌ في جميع سياساتك الخارجية، والغريب العجيب أنك تُسمّي نهجَك الغائب والمتردد والمرتعب دائما أمام اتخاذ القرارات بأنه توجه حكيم وعاقل يحمي المصالح العليا للولايات المتحدة!!

غدا، تُسلّم السلطة، وابتداء من الغد، سيترككَ كثيرون وشأنك، ولحكم التاريخ، ولحساب الله عز وجلّ على ما فعلت وتسببت وجنيت.