IMLebanon

على أيّ «مخدّة» سينام البلد؟

 

الحكومة الجديدة على الوعد بتسريع ولادتها قبل نهاية الاسبوع الجاري بحسب ما ابلغ الرئيس المكلف سعد الحريري رئيس مجلس النواب نبيه بري.

عاد الرئيس المكلّف الى بيروت، وبدا حريصاً على أن يظهر نفسه في قمة الارتياح، مغموراً بحيوية وعزم على تشغيل محرّكات التأليف علّها تولّد حكومته خلال الساعات الإثنتين والسبعين المقبلة على أن تكون الصورة التذكارية يوم الإثنين المقبل.

المثير للاهتمام في كلام الحريري أنّه يوحي بأنّ التعقيدات الماثلة في طريق حكومته، هي تعقيدات داخلية، وليست خارجية على ما يقول مسؤولون آخرون. ويعني ايضا أنّ الحلّ الجاري إخراجه في مطبخ الحريري، سيتم بلوغه على الطريقة اللبنانية، أي على طريقة المقايضة والمراعاة والمعادلة الشهيرة «حكّلّي لحكّلّك». والبديهي والطبيعي في ظل هذا الوضع ألّا يستغرق بلوغُ هذا الحلّ وقتاً طويلاً.

لكن امام هذا الجو التفاؤلي، رأي آخر، ما زال يقارب زمنَ التأليف بشيءٍ من الحذر، وربما أكثر من حذر، يقول أولاً إنه، على الرغم من الكلام الجميل المنقول عن الحريري، لا يملك ما يجعله ينضبط في صفّ المتفائلين. لا يقول ذلك من باب المناكدة، ولا من باب «خالف تُعرف»، ولا من باب التشكيك بنوايا الرئيس المكلّف ولا غيره من السياسيين، بل لأنّ صاحب هذا الرأي الحذر، مثل توما: «أريد أن ألمسَ بيدي»، يعني أنه لن يحكي عن الفول إلّا ليصير بالمكيول.

لا ينفي صاحب هذا الرأي وجود تعقيدات داخلية، بل لا يقلّل من أهميتها أو حجمها وأعان الله الحريري ليتمكن من فكفكتها والمواءمة بين مطلب هذا وذاك من الاطراف السياسية المصابة بمرض التوزير والجوع المزمن على الحقائب الى حدّ الفجع ، لكن في المقابل هو مقتنع بأنّ الطريق وعرٌ خارجياً، لسببين:

الأول، ثمّة لقاء منتظر خارج الحدود بين أحدٍ ما ومسؤولٍ ما لم يحصل بعد، وعليه تتوقف «كلمة السر» التي من شأنها أن تطمئن المتردّدين، وتأمر بتوليد الحكومة بصورة خالية من «الشوائب»، وممّا قد يكون سبباً لتسجيل مآخذ على البعض أو اعتراضات وتحفّظات.

الثاني، أنّ مشهد المنطقة بشكل عام يضاف اليه الكمُّ الكبير من التطوّرات التي تتسارع على الساحة الدولية، لا يحمّس على التفاؤل، بل قد يوجب الانتظار لبعض الوقت. ومن هنا يُستبعد أن تحين لحظة ولادة الحكومة اللبنانية قبل وضوح هذه الصورة. ثمّ ألا تلاحظون نأي البعثات الديبلوماسية العربية والغربية بنفسها عن الملف الحكومي اللبناني وعدم مقاربته بالحماسة التي كانت يقارب فيه هذا الملف في أوقات سابقة.

هذا المشهد، بحسب هذا الرأي، يشي بتحوّلاتٍ دراماتيكية على المستوى العالمي. الشرق كله محكوم بنيرانٍ متحرّكة بين دولة واُخرى. وأما الغرب فعلى صفيح علاقات نارية ومتفجرة، لقد ضاق الأوروبيون ذرعاً بدونالد بترامب. ولم يعودوا قادرين على إخفاء ذلك، كما لم يعودوا قادرين على إخفاء غضبهم منه الى حدّ وصفِه على لسان الأمين العام لمجلس أوروبا بأنه اَي ترامب «لم يعد الزعيم الأخلاقي للعالم، ولم يعد بإمكانه التحدث باسم العالم الحرّ».

صحيح أنّ الموقف الناري للمسؤول الأوروبي قد جاء على خلفية قضية إنسانية تتعلق بقرار عنصري للإدارة الأميركية بفصل الأطفال عن عائلاتهم القادمة إلى الولايات المتحدة بصورة غير شرعية، إلّا أنه يعبّر في الوقت نفسه عن حجم الضيق والقلق ممّا بات يسمّيها الأوروبيون «الحرب التجارية والاقتصادية» التي يشنّها سيّد البيت الأبيض على كل الجبهات. وتحديداً على أوروبا التي جعلتها هذه الحرب، وبإجماع نادر بين دولها، تقرّر «المقاومة». وكان ملفتاً في هذا السياق الحراك السياسي الأوروبي الأخير باتّجاه روسيا، التي زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقبله المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، للبحث عن وسيلة للخروج من مأزق القرار الأميركي بالانسحاب من الاتّفاق النووي مع إيران، بما يعنيه ذلك من أثر تدميري على الاقتصاديات الأوروبية اللاهثة وراء الفرص الاستثمارية في الجمهورية الإسلامية منذ رفع العقوبات نتيجة لـ»تسوية فيينا».

يضاف الى ذلك، كما يضيف هذا الرأي، التناقض الاوروبي مع الأميركيين الذي يكاد يشمل كافة الملفات الدولية، ولاسيما ملف كوريا الشمالية، وكذلك الملف الفلسطيني حيث تنظر أوروبا بعين القلق إلى الخطط الجديدة التي يحملها صهرُ الرئيس الأميركي جاريد كوشنير، تحت مسمّى «صفقة القرن». وهو ما يفسّر، بشكل أو بآخر، تفجّر الموقف داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، متّهِمة الدول العضوة فيه بـ»تقديم الخدمات المجانية» لإيران والصين وروسيا. حتى البريطانيين باتوا أشدّ حماسة لمؤازرة الدول الأوروبية الأخرى في التصدّي لاندفاعة ترامب.

على هذا الأساس، يرى صاحب هذا الرأي، أنّ العالم يبدو قد دخل فعلاً في مرحلة العدّ العكسي للتحوّلات المتصلة بالعلاقات الدولية، وخصوصاً مع اقتراب المهل المحدّدة من قبل الإدارة الأميركية للشركات الدولية لكي تنهي تعاملاتها في إيران، التزاماً بالعقوبات المتجدّدة (الفترة بين 90 و180 يوماً من تاريخ الانسحاب الأميركي من الاتّفاق النووي). معنى ذلك أنّ الكلّ في سباق مع الوقت، والماكينات الديبلوماسية تبدو في هذا الجوّ السلبي وكأنها حشدت باتّجاه البحث عن سبل التعامل مع السيناريو الأسوأ، والمتمثل في تصاعد «الحرب التجارية» الأميركية المعلنة من قبل الولايات المتحدة، وهو ما يُنذر بتموضعات جديدة وبأوضاع جديدة وخطيرة على مساحة العالم كله. ومن شأن ذلك أن يضع منطقتنا طبعاً في موقف وموقع صعب ومعقّد للغاية.

وتبعاً لذلك، وفق هذا الرأي، لا يجب إغفال حساسية أو مخاطر التحرّك الأميركي المستجدّ نحو الشرق الأوسط لـ:

– تصفية القضية الفلسطينية وفق رؤية الحليف الإسرائيلي.
– استمالة بعض العرب إلى هذا المحور، عبر تعزيز نفوذ بعض القادة، وانطلاقاً من ذلك، يمكن فهمُ توقيت معركة الحديدة في اليمن، التي تأمل دول الحرب على اليمن في تحقيق النصر والحسم العسكري.
– مزيد من الضغط على إيران، دون إغفال حدوث تطوّرات كبيرة تحت العنوان الإيراني.
– مزيد من الضغط على «حزب الله»، مع ما قد يرافق ذلك من عقوبات قاسية وبعضها من النوع غير المألوف.
– مزيد من الضغط على الجبهة السورية ومحاولة قطع الطريق امام أيّ تسويات سياسية للحرب الدائرة منذ سبع سنوات.

أمام هذا المشهد المعقّد إقليمياً ودولياً، يصل صاحب هذا الرأي الى خلاصة مفادها أنّ لبنان على تماس جوهري مع الغرب الأوروبي والأميركي، وهو جزء من منطقة الشرق الأوسط وليس مساحةً أو كياناً معزولاً عنها، وبالتالي هو ليس بعيداً عن أيّ رياح قد تعصف بها، خصوصاً في محيطه السوري أو الفلسطيني القريب، ولن يكون أيضاً بمنأى عن التأثر بأيِّ تحوّلات قد تحصل فيها أو على مستوى العلاقات الدولية. لذلك ثمّة مَن يستعجل تشكيل الحكومة وهو أمر طبيعي، لكي تكون حاضرة ، أقلّه من حيث الهيكل بوجود تلك التطوّرات، ولكي تنصرف الى التصدّي للكمّ الهائل من الأزمات التي يعانيها البلد.

ولكنّ الايجابية المتجدّدة على مسار التأليف لا تحجب أن هناك مَن قد يفضّل الانضواء في طابور الانتظار ريثما تتبلور الصورة الإقليمية والدولية. وساعتئذ يعرف لبنان على أيّ مخدّة حكومية سينام.