IMLebanon

قبل الحويّك… رجالٌ مهّدوا للبنان الكبير

 

 

قبل أكثر من أربعين عاماً، حين بدأتُ التحضير لدراسة الدكتوراه في العلوم الإعلامية في فرنسا، وجّهني معلّمي الفيلسوف والشاعر الأب ميشال الحايك رحمه الله، إلى مجلة فرنسية كانت شبه مجهولة في لبنان، تحمل اسم Correspondance d’Orient. لم أكن أعلم يومها أنّني لا أتصفّح أعداداً قديمة فحسب، بل أدخل إلى واحدة من أهم الورش الفكرية والإعلامية والسياسية التي مهّدت لولادة لبنان الكبير. وها أنا أعود إليها اليوم، في أسبوع إعلان البطريرك الياس الحويّك طوباوياً، لا بدافع الحنين الشخصي وحده، بل لأنّها تكشف فصلاً من تاريخ لبنان، لم ينل ما يستحقه من البحث والإنصاف.

اعتدنا أن تبدأ الرواية من وصول البطريرك الحويّك إلى باريس سنة 1919، حاملاً مطالب اللبنانيّين إلى مؤتمر الصلح، وأن تنتهي أمام قصر الصنوبر في الأول من أيلول 1920، يوم إعلان دولة لبنان الكبير. لكنّ الحويّك لم يصل إلى باريس خالية من اسم لبنان، ولم يبدأ عمله من الصفر.
لقد سبقه إليها رجال لبنانيون عملوا سنوات طويلة على تعريف الأوساط الفرنسية بقضايا المشرق، وبناء الجسور مع رجال السياسة والفكر والصحافة، وتهيئة بيئة تستمع إلى المطالب اللبنانية وتفهم خصوصية لبنان. وفي طليعة هؤلاء كان الأخوان خليل وشكري غانم. وُلِد الأخوان في بيروت، لكنّهما ينتميان إلى عائلة مارونية تعود جذورها إلى بلدة لحفد في قضاء جبيل. وتلقّى شكري علومه في مدرسة القديس يوسف للآباء العازاريّين في عينطورة، حيث بدأ منذ شبابه يكتب الشعر بالفرنسية، قبل أن ينتقل إلى مصر وتونس ثم يستقر في باريس.
أمّا شقيقه الأكبر خليل غانم، فكان من الشخصيات السياسية والفكرية المتقدّمة على عصرها. انتُخب نائباً عن بيروت في مجلس «المبعوثان العثماني» بين عامَي 1877 و1878، وانخرط في الحركة الدستورية الإصلاحية التي ارتبطت بمدحت باشا، قبل أن يضطر إلى مغادرة السلطنة بعد تعطيل التجربة البرلمانية وتشديد السلطان عبد الحميد الثاني قبضته على الحُكم. وفي باريس، تحوَّل إلى كاتب وصحافي وصاحب علاقات واسعة مع النُخَب السياسية والفكرية الفرنسية.
ويَصعب فصل المسار اللاحق لشكري غانم عن المناخ الفكري والسياسي الذي مثّله شقيقه. فقد وجد أمامه نموذج المثقف المشرقي الذي لا يكتفي بمخاطبة أبناء وطنه، بل يدخل إلى الصحافة الأوروبية، ويحاور الأوروبيّين بلغتهم، ويحوِّل الاغتراب من منفى إلى موقع تأثير.
غير أنّ شكري أضاف إلى السياسة رقيّ الشعر والأدب والمسرح والصحافة. ولم يكن مجرّد أديب فرنكوفوني، بل يُعدّ من المؤسسين الأوائل للأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية.
وحين عُرضت مسرحيّته «عنترة» في مونتي كارلو ثم على مسرح الأوديون في باريس سنة 1910، لم يكن نجاحها مجرّد حدث فني، بل حضوراً للمشرق على واحدة من أعرق الخشبات الثقافية الفرنسية. وتعاملت الصحافة الفرنسية معها بوصفها حدثاً أدبياً استثنائياً، يعرّف الجمهور الفرنسي إلى أدب مشرقي مكتوب بلغة فرنسية رفيعة. وقد بلغت شهرتها حدّ تحويلها لاحقاً إلى عمل أوبرالي وضع موسيقاه المؤلف الفرنسي غابرييل دوبون.
كان شكري غانم يعرف أنّ الأدب يفتح الأبواب، لكنّه كان يعرف أيضاً أنّ القضايا الوطنية تحتاج إلى مؤسسات ومنابر وشبكات علاقات. لذلك أسس سنة 1908، مع الدكتور جورج سمنة، جمعية أصدقاء الشرق، وأطلقا في الأول من تشرين الأول من العام نفسه مجلة Correspondance d’Orient، بوصفها مجلة اقتصادية وسياسية وأدبية معنية بشؤون المشرق وعلاقاته بفرنسا وأوروبا.
وتُثبت محفوظات المكتبة الوطنية الفرنسية، أنّ المجلة صدرت طوال عقود بإدارة شكري غانم وجورج سمنة، وأنّها بدأت بستة أعداد سنة 1908 قبل أن تتحوَّل إلى إصدار منتظم. وهي محفوظة اليوم كاملة، وتشكّل مرجعاً أساسياً لكل مَن يريد دراسة تطوُّر الخطاب اللبناني والسوري في فرنسا خلال العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى.
ولم تكن المجلة، في بداياتها، نشرةً لبنانية انفصالية، ولا يجوز إسقاط النتائج السياسية اللاحقة على صفحاتها الأولى. فقد وُلدت في مناخ الإصلاح العثماني، وراهنت لبعض الوقت على نجاح التجربة الدستورية في منح شعوب السلطنة حقوقاً أوسع، وكانت تعكس النقاشات الفكرية والسياسية حول مستقبل سوريا ولبنان والمشرق.
غير أنّ أهمّيتها الحقيقية أنّها أدخلت قضايا المنطقة إلى النقاش الفرنسي بصورة منتظمة، وقرّبت النخب المشرقية من دوائر القرار والرأي العام في باريس. ومن خلال المجلة، وجمعية أصدقاء الشرق، واللجان التي نشأت حولهما، أصبح شكري غانم أحد أبرز ممثلي الجالية السورية – اللبنانية في فرنسا، وأحد الوسطاء القادرين على مخاطبة السياسيّين والصحافيّين والمثقفين الفرنسيّين.
وتعاون في هذا المسار مع شخصيات لبنانية أخرى، من بينها خير الله خير الله، كما تلاقت جهوده مع مناخ النهضة الصحافية والفكرية التي صنعها لبنانيّون في المشرق والمهجر، فصار العمل من أجل لبنان يتجاوز الوفود الموسمية التي تصل عند اشتداد الأزمات، ليصبح حضوراً دائماً في العاصمة الفرنسية عبر المقالة، والكتاب، والمحاضرة، والمجلة، والمسرحية، وشبكات العلاقات.
ولعلّ هذه هي الحقيقة التي تستحق أنّ تُستعاد اليوم: فلبنان الكبير لم يولَد في مؤتمر الصلح وحده، بل وُلد أيضاً في المقالة، وفي المسرحية، وفي الصالون الثقافي، وفي المجلة التي سبقت الوفود السياسية إلى باريس. لذلك، حين وصل البطريرك الحويّك إلى باريس بعد الحرب العالمية الأولى، لم يصل إلى أرض مجهولة.
لقد حمل الشرعية الروحية والوطنية، وقوّة التفويض الشعبي، والقدرة على التفاوض باسم اللبنانيّين. لكنّه وجد أمامه أيضاً شبكة من الرجال الذين سبقوه إلى العاصمة الفرنسية، وعرّفوا باسم لبنان، وشرحوا قضيّته، وبنوا جسور الثقة مع النخب الفرنسية، ومهّدوا الطريق أمام المطالبة بتوسيع حدوده واستعادة مناطقه وتأمين مقومات حياته الاقتصادية.
ولا ينتقص الاعتراف بدور هؤلاء من مكانة الحويّك، بل يزيدها وضوحاً. فالقائد التاريخي ليس رجلاً يعمل وحده، بل هو الذي يُحسن جمع الطاقات المتفرّقة وتحويلها إلى مشروع وطني منتصر. وإذا كان خليل غانم قد مثّل البدايات الدستورية والإصلاحية، وشكري غانم جسّد الديبلوماسية الثقافية والإعلامية، فإنّ البطريرك الحويّك حمل هذا التراكم إلى لحظة القرار السياسي، وحوّل سنوات من العمل الفكري والثقافي والإعلامي إلى إنجاز وطني أصبح اسمه لبنان الكبير.
في الخامس والعشرين من تموز، عندما يُعلن البطريرك الياس الحويّك طوباوياً، لا تستعيد الكنيسة رجل إيمان فحسب، ولا يستعيد اللبنانيّون مؤسس لبنان الكبير وحده، بل تستعيد الذاكرة أيضاً أولئك الذين سبقوه أو رافقوه، والأقلام والمنابر التي جعلت من باريس ساحةً لبنانية قبل أن يصل إليها الوفد البطريركي.
أعود اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، إلى Correspondance d’Orient، فأجد فيها أكثر من مادة لأطروحة جامعية لم يكتمل مسارها. أجد فيها شهادة على زمن أدرك فيه اللبنانيّون أنّ الأوطان لا تُبنى بالمفاوضات وحدها، بل تسبقها معركة معرفة وإقناع، وأنّ الديبلوماسية تبدأ أحياناً بمقالة، أو مجلة، أو مسرحية، أو علاقة نسجها مثقف بعيداً من وطنه.
واليوم، يحتاج لبنان مرّةً أخرى إلى مَن يشرح قضيّته للعالم، كما احتاج قبل أكثر من قرن. وما يعلّمنا إياه خليل غانم، وشكري غانم، والبطريرك الياس الحويّك، أنّ بناء الأوطان لا يبدأ يوم إعلانها، بل يوم يولد لها رجال يؤمنون بها قبل أن يؤمن بها الآخرون. فالدول قد تُعلن بقرار سياسي، أمّا الأوطان فتُبنى أولاً في العقول والوجدان وتعب الناس، قبل ان تُرسم حدودها على الخرائط.
• هامش: ليست Correspondance d’Orient مجرّد مجلة فرنسية صدرت في باريس عام 1908، بل واحدة من المنابر التي ساهمت في تعريف الرأي العام الفرنسي بلبنان والمشرق قبل ولادة لبنان الكبير. أسسها شكري غانم وجورج سمنة، ولا تزال أعدادها محفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية، شاهدةً على مرحلة سبقت الديبلوماسية الرسمية، حين كانت الكلمة والمجلة والمسرح من أدوات صناعة التاريخ.