في الجنوب ليس كلّ القاطنين “حزب الله”، فكثرُ لبنانيون حتّى العظام! من صيدا مروراً بجزين وصولا إلى مرجعيون فالقليعة ورميش ناهيك عن دبل وعين إبل وحتّى قرى النبطية وصور ومنطقة العرقوب عشرات الآلاف من رافضي قوى الأمر الواقع لكنّ “دعاية” حزب الله تشبه كذبته وهي كبيرة إلى درجة يصعب فضحها.
في الجنوب من يعيشون حبّاً بالتراب وينغمسون فيه كما الزيتون ويقطرون بدل الزيت دماً ليس دفاعاً عن إيران بل عن لبنان ومنهم المبعدون قسراً المزروع لبنان في مسامهم وأفئدتهم. في الجنوب جيمس كرم وابنه طوني وابنته تاودوسيا هؤلاء الذين شيّعتهم القليعة وهم ليسوا شيعة هؤلاء الذين سُئلوا عن تُراب الجنوب فقالوا: “هَو النا يا جنوب يا حبيبي يا جنوب”.. ذنبهم أنّهم لم يتركوا لبنان وأنّ الجنوب سكنهم والقليعة سحرتهم واستوطنتهم كنيسة مار جرجس والبيوت القرميدية المشرورة وذكريات عمرها من عمر أوّل غمرة. جيمس طبيب أسنان لم تحمل أصابع يديه سلاحاً غير قلمٍ وحقنةٍ، وكم من جنوبيّ تعالج في عيادته ببدل أتعاب… ابتسامة. أمّا طوني فذنبه الوحيد أنّه رفض الهجرة وفضّل الاستشهاد على طريق الجنوب على العيش غريباً في أصقاع العالم ورافق شقيقته إلى امتحانها دعماً لها واستُشهد بعدها بدقيقة بحسب الطبّ الشرعيّ تماماً كما يكبرها بعام.
لكنّ تاودوسيا رحلت عروساً على مذبح الشباب، لبنانية فينيقية كاسمها وحالمة مثل جيل تعب لكنّه لم ييأس. درست لامتحاناتها على صوت القذائف وألِفت صوت المسيّرات في الصباح وفي المساء على نور شمعة تذوب كما يذوب الجنوب بسبب مشروع “حزب الله”. تركوا القليعة لإتمام الامتحان رغم القصف والموت، ولأنّ وزيرة التربية ريما كرامي تريد أن تقول لأولادها وأحفادها وعائلتها: “كنت وزيرة سوبر وومن! وفرضت على الطلّاب الامتحانات رغم كلّ شي ورغم القصف والموت فالرّصاصة لا تقتل لكن الجهل يفعل.” عذراً يا أيّها الشهداء لكن هذه عيّنة من وزرائنا وفي زمن المحل وزيرة مثل ريما أفضل من الفراغ. استشهدت تاودوسيا وهي عائدة إلى منزلها لتصمد مع الصامدين لكن زيت عمرها شحّ وسقطت زيتونة جنوبية على طريق الصمود. قتلتهم إسرائيل نعم هذا في الظاهر لكن إسرائيل ليست وحدها المجرمة فإسرائيل أخطأت هدفاً اسمه “حزب الله”. ذنبهم قد يكون سيّارتهم أو طريقهم أو توقيتهم لكنّ “حزب الله” شريك في الجريمة والمسبّب الأوّل لها. قد نفهم مقاتلي عصابة الحزب الحاضرين أبداً للاستشهاد نزولاً عند رغبة فتوى من هنا وتعويض ماليّ من هناك ومشروع ديني_سياسيّ متكامل لكن ما ذنب الآخرين؟
مقاتلو الحزب خُلقوا ليموتوا! هكذا ينشأون من لحظة الولادة حتى الممات يموتون لأنهم أصلاً يريدون ذلك لكن في لبنان شيعة لا يريدون الموت ومسيحيون غلبوا الموت أصلاً وانتصروا عليه بالصلب والقيامة وسنّة يُبدعون ويعشقون الحياة وامتدادهم عربيّ أصيل ودروز على الرغم من إيمانهم بالعودة متقمّصين لكنهم يتمسّكون بالحياة حتى النفس الأخير. وحدهم شيعة إيران في لبنان يرفضون الحياة يكرهونها ويريدون أن نكرهها معهم. أين أخطأ جيمس وطفلاه؟ ومن يحاسب “حزب الله” على إطلاق يدِ إسرائيل بقتل من تريد ومتى تريد وكيفما أرادت؟ قد يكون اغتيال جيمس وطفليه رسالة إسرائيلية للصامدين في الجنوب عنوانها ارحلوا! وقد يكون “حزب الله” اختار التمويه بسيارات مدنية وطرقات غير مألوفة فدفعت عائلة جيمس الثمن لكن مهلاً يا حزب الله.
لو نزح مسيحيو وسنّة ودروز الجنوب لا تحلموا بالعودة كشيعة إليه. بقاؤهم وحده السبيل لعودتكم ونزوحهم يعني ترحيلكم إلى غير عودة. الصمود هو مقاومة حقيقية في سبيل حماية لبنان من مشروع إسرائيل الكبرى في حال كان قائماً والنزوح هو نهاية حتمية للوجود الشيعي في جنوب لبنان وعلى حدود إسرائيل. اختاروا انتم مصيركم لكنّ مصير الجنوبيين غير الشيعة لن يكون مرتبطاً بكم. بكت القليعة أبناءها وبكى لبنان طبيبه وطفليه وجثى الزيتون على ركبتيه خشوعاً في وداع من لا ذنب لهم، وقالت فيروز بصوتها الملائكي: إسوارة العروس مشغولي بالدهب وإنت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب!
نائب رئيس التحرير