IMLebanon

إستمرار مأساة انفجار المرفأ

 

 

سنتان مرّتا على انفجار الفساد في مرفأ بيروت، ونتذكر بحرقة ضحايا الجريمة البشعة الذين فقدناهم وفقدهم الوطن، بالإضافة إلى كثيرين الذين تغيّرت حياتهم ويعانون من الإصابات والخسائر. هو جرح مفتوح في ذاكرة الوطن سيبقى محفوراً في وجداننا.

 

تتعلّم الأوطان من مآسيها كي لا تتكرّر. ولكن، هل علّمتنا هذه المأساة شيئاً؟ هل تغيّر أداؤنا لنحرص على عدم تكرار الأخطاء نفسها؟

 

قلنا سابقاً إنّ السبب الأساسي لجريمة المرفأ هو انعدام الشفافية والعمل تحت الطاولة وحجب المعلومات عن الشعب لإخفاء القرارات الفاسدة والمجرمة، فما الذي تغيّر في هذا السياق؟

 

بعد سنتين من المأساة، تقرّر السلطة نفسها المسؤولة عن الجريمة، تكريم الضحايا عبر الإقفال العام. ما زلنا نصرّ على عقلية الإقفال العام لتكريم ذكرى، ولم ندرك انّ سبب ما اوصلنا إلى هذا الخراب جزء منه هو غياب الانتاجية وعدم تقديس العمل.

 

تكريم الضحايا يكون بتحقيق العدالة والمحاسبة، لا بشلّ البلد عن الإنتاج، تكريم الضحايا يكون بالعمل الدؤوب لإعادة الحقوق لهم ولعائلاتهم، اولاً عبر حقهم بالعدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة، وثانياً بالتعويض المباشر لهم ولعائلاتهم، وثالثاً بخلق اقتصاد منتج يؤمّن الكرامة لاولادهم في وطنهم.

 

ألم نستوعب بعد اننا بلد يفتقر، تحاصره الأزمات من كل جهة، ولكننا نصرّ على طمر الرؤوس في الرمال واستذكار مأساتنا عبر شلّ البلد بكامله، وكأنّ السلطة تعوّض عن عجزها في تحقيق أي تقدّم في اتجاه الانتاج والعدالة والمحاسبة، بمنح إبرة مورفين عبر تعطيل البلد يوماً لاستذكار ضحايا جريمة فشلوا (أم أرادوا ان يفشلوا) حتى اللحظة في تحديد المسؤولين عنها.

 

طالبنا بعد وقوع الانفجار الكارثة، بأن تكون الدماء الغالية التي سقطت، الصخرة التي سنبني عليها نظاماً جديداً مبنياً على الشفافية المطلقة، وتغيير الإجراءات الادارية البيروقراطية التي خنقت هذا البلد خنقاً على مدى سنين وصولاً إلى تفجيره حرفياً.

 

وبعد سنتين من الجريمة، لم نحقق أي تقدّم في المسار القضائي، فلا تزال اللجنة نفسها التي كانت مسؤولة وقت وقوع الانفجار مستمرة في عملها غير القانوني، وتمّ تعيين رئيس جديد لها. ما زلنا ندير المرفأ بالعقلية نفسها التي ادّت إلى الكارثة، ولم نبادر إلى إقرار الشفافية المطلقة لنمنع كوارث مماثلة. ونقوم بتلزيمات في المرفأ بالطرق نفسها (الغامضة والملتوية) السابقة إلى يومنا هذا.

 

ويطالب البعض اليوم بالإبقاء على الإهراءات وعدم هدمها، لتبقى شاهدة على ما حصل. إنّ إبقاء الإهراءات على وضعها الحالي ليس السبيل لإعادة حق الضحايا. إبقاء الاهراءات سيقوم بإفقار البلد وزيادة تعتيره. انّ السبيل لإعادة الحق للضحايا يكون بالعدالة اولاً والتعويض عليهم، وألا تذهب ارواحهم هدراً، بل تكون الحافز إلى بناء لبنان على أسس جديدة، يكون شعارها الشفافية المطلقة، وعدّة عملها نظام متطور.

 

انّ التلهّي بالمطالبة بالإبقاء على الاهراءات، والتهليل لإقفال البلد في ذكرى الضحايا، يخدمان من تسببوا بهذه الكارثة، فهذا يناسبهم لأنّه يحرّف الموضوع عن الخطوات الصحيحة المفروض اتخاذها. هذه الخلافات تخدمهم، بل انّهم يغذونها ليبقى التشتت سيّد الموقف في هذا السياق، وبالتالي يستطيعون الاستمرار في النهج نفسه الذي اوصلنا إلى تعتيرنا، وها هم يضيفون يوم إقفال اضافياً سيتكرّر كل سنة من تعطيل للانتاج، يُضاف إليه العطل الاخرى، في وقت نحتاج إلى كل ساعة عمل لكي نستعيد نمونا وانتاجيتنا ورسم خطة متكاملة لزيادة عائدات مرفأ بيروت، أضعاف ما هي عليه اليوم.

 

يتمّ إلهاء الجميع اليوم بالتعطيل وجدلية الإبقاء على الاهراءات، فيما تمّ تناسي المسار القضائي ومراجعة فعلية للأخطاء التي وقعت، والتفكير جدّياً في مستقبل مرفأ بيروت، ليتحوّل مركز ثقل يدعم الاقتصاد اللبناني. وكأنّهم يحرصون على استمرار مأساة انفجار مرفأ بيروت.

 

مجدداً، نسقط في دوامة الشعارات الطنانة وعقلية التعطيل والاقفال وذرف الدموع، فيما نحن عاجزون عن تحقيق انجاز وحيد، يضمن للضحايا ان تكون عائلاتهم في بلد يؤمّن الحقوق والبحبوحة الاقتصادية والازدهار.