IMLebanon

ابراهيم وصليبا والإستقالة للإرتياب المشروع

 

هل يمكن أو يجوز أن يستمرّ مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم ومدير عام أمن الدولة اللواء أنطوان صليبا في منصبيهما بعد طلب المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، في 4 آب 2020، القاضي طارق بيطار استجوابهما كمدعى عليهما في هذه القضية؟

 

يطرح هذا السؤال بعد المسار الذي سلكته القضية والسجال حول رفع الحصانة عنهما وعن النواب غازي زعيتر وعلي حسن خليل ونهاد المشنوق وعن الوزير السابق يوسف فنيانوس، وبعد محاولات التهرّب من المثول أمام القاضي بحجج كثيرة ومن خلال محاولة الإحتماء بحصانة يجب أن تسقط حكماً وطوعاً، لأن الذهاب إلى التحقيق لا يعني الإدانة ولأن من الواجب على من يتحمّل أعباء مسؤوليات أمنية وطنية، أن يكون أول من يخضع للقانون لا أن يحاول أن يكون فوق القانون.

 

عندما ادعى المحقق العدلي السابق في هذه القضية القاضي فادي صوّان على رئيس حكومة تصريف الأعمال الدكتور حسّان دياب، هرع رئيس الحكومة السابق والمكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري إلى السراي الحكومي ليتضامن مع دياب بعدما كان تمّ رجمه سياسياً، لأنّه تجرّأ وقبل تكليفه تشكيل الحكومة من دون مراعاة رأي الطائفة السنية المؤيد بالإجمال للرئيس سعد الحريري. موقف الحريري كما أعلن كان حرصاً على موقع رئاسة الحكومة وهذا الموقف لم يكن حكراً عليه بل تحوّل إلى تبنّيه من المرجعية الطائفية ودار الفتوى.

 

عندما ادّعى صوّان

 

عندما ادعى صوّان على النائبين غازي زعيتر وعلي حسن خليل سارعا إلى الإدعاء عليه وطلب كفّ يده للإرتياب المشروع، بحجة أنه يسيّس التحقيق ويستنسب في الملاحقة ولأن ادعاءاته لم تكن شاملة وهي مدعاة للشك بما يقوم به. تحوّل الطلب إلى محكمة التمييز التي وافقت على كفّ يد صوان. هذا القرار الذي اتخذ في شكل معاكس للرأي العام المؤيد لمطالب أهالي شهداء التفجير والمتضررين منه لم يكن ليمر إلا بعد التوافق على تكليف القاضي طارق بيطار بهذه المهمة.

 

درس بيطار الملف من الأساس وأعاد استجواب الموقوفين ووافق على إخلاء سبيل عدد منهم ومضى في سماع إفادات عدد آخر من الشهود، ولكنه في المسار العام للقضية لم يكن من الممكن بحسب المعطيات التي توفرت لديه الإنقلاب على ما وصل إليه سلفه القاضي صوّان، ولكنّه استفاد من تجربة صوّان ليسلك المحطات التي اعتبر أن لا مفرّ من سلوكها من أجل تأمين سير العدالة، ولذلك طلب استجواب من ادعى عليهم بعد طلب رفع الحصانة عنهم من المراجع المختصة، في مجلس النواب وفي رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الداخلية ونقابتي محامي بيروت وطرابلس.

 

ما ينطبق على النواب لا يمكن أن ينطبق على الضباط القادة. وما يُطبّق على هؤلاء لا يُطبّق حكماً على القضاة الذين ادعى عليهم. إذا كان زعيتر وخليل طلبا كفّ يد صوّان للإرتياب المشروع فهل يمكن أن يطلبا أيضاً كفّ يد بيطار للإرتياب المشروع؟ هل يعقل أن يقع قاضيان في “الخطيئة” نفسها؟ أم أنّ ما يتوفّر من معطيات في التحقيق هو الذي يحكم صوابية هذا الإدعاء؟ وإذا كان النائب نهاد المشنوق قد أدلى بمعلومات خطيرة حول شحنة نيترات الأمونيوم وإدخالها إلى مرفأ بيروت وحول من كان مستفيداً منها، متّهماً “حزب الله” والنظام السوري بذلك وبإخراج كميات منها برّاً وبحراً قبل أن يكون مدّعى عليه، فلماذا بعد الإدعاء عليه يقبل أن يحتكم إلى موافقة مجلس النواب على طلب رفع الحصانة عنه لكي يمثل أمام المحقق العدلي كمدعى عليه، ويعلن أنه يقبل أن يمثل كشاهد فقط؟ وبالتالي هل لا يزال المشنوق متمسّكاً بما كان أعلنه من معلومات أم أنّه يمكن أن يتراجع عنها ويعتذر ممّن اتّهمهم؟

 

بين العدلية والأمن

 

يشكل جهاز الأمن العام وجهاز أمن الدولة ركنين من أركان الضابطة العدلية التي يجب أن يطلب المحقق العدلي مساعدتها في التحقيق. معهما تأتي أيضاً مديرية المخابرات في الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي وبعض القوى العسكرية الأخرى، التي طلب منها القاضي بيطار مساعدته.

 

بحسب القوانين المرعية التي يحتكم إليها القاضي بيطار لمتابعة التحقيق لم يطلب رفع الحصانة عن الرئيس حسان دياب لكي يستجوبه كمدعى عليه. يستطيع دياب أن يحتمي بمرجعيات سياسية ودينية لكي يتهرب من المثول أمام القاضي بيطار، ولكنه سيبقى من بين المشتبه فيهم بأنهم لم يقوموا بواجباتهم على رغم علمهم بخطورة ما يخفيه العنبر رقم 12 وبالتالي سيبقى مدعى عليه. لم يكشف دياب بعد مثلاً من هو صاحب الإتصال الذي طلب منه ألا يتوجّه إلى مرفأ بيروت للكشف على محتويات العنبر رقم 12، لأنه يحتوي على مواد تستخدم كأسمدة زراعية ولا داعي لإثارة الهلع. وإذا كان دياب نفسه سيمتنع عن المثول أمام المحقق العدلي فكيف يمكن أن يوافق على أن يمثل أمامه مدير عام أمن الدولة اللواء أنطوان صليبا؟

 

كان من المفترض أن يتلاقى مع صليبا ذات صباح في مرفأ بيروت للكشف على العنبر رقم 12 ولكنه تخلف عن الحضور. صليبا تبلغ بخطورة المواد الموجودة في العنبر منذ بداية العام 2014 من خلال الرائد جوزف النداف. لم يكن لجهاز أمن الدولة مركز في مرفأ بيروت. عندما تم استحداث هذا المركز وبعد عمل الرائد نداف على إجراء جردة عامة على العنابر اكتشف ما يحتويه العنبر رقم 12. ربما لم يكن مطلوباً منه أن يكتشف. وربما جرت محاولات للتعتيم على الموضوع وإعادة دفن المعلومات وتمييع المسألة وتحويلها إلى مجلس الدفاع الأعلى، الذي أخذ علماً بذلك وأعلم رئيس الجمهورية الذي اعترف بأنه كان يعلم ولكن لا يستطيع أن يفعل شيئاً لأن الموضوع ليس من صلاحياته. وقد حصل ما توقعه كثيرون وانفجرت أطنان نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 ودمّرت بيروت.

 

كان من المفترض أن يمثل صليبا أمام القاضي صوان لإجراء مقابلة بينه وبين الرائد ندّاف ولكن تطيير صوّان أجّل الموضوع. وافق بيطار على إخلاء سبيل الندّاف وادعى على صليبا. كيف يمكن أن يطلب بيطار معاونة من جهاز أمن الدولة بينما رئيس الجهاز مدّعى عليه؟ ربما من مصلحة اللواء صليبا أن يتنحى أو أن يقدم استقالته من دون انتظار رفع الحصانة عنه، بدل أن يذهب في اتجاه الدفاع عن نفسه من خلال بعض الإعلام ومن خلال الإعلان أنه يخضع لما يخضع له اللواء عباس ابراهيم، بحجة توازن الصيغ المعمول بها. وربما من واجب السلطة بدل أن تمنع رفع الحصانة أن تقيل اللواء صليبا أو أن تكفّ يده وتعلّق وظيفته كمدير عام أمن الدولة، ريثما تنتهي القضية بإعلان براءته من كل ما أسند إليه.

 

رجل الدولة أم السلطة؟

 

ما ينطبق على صليبا ينطبق على اللواء عباس ابراهيم. صحيح أن ابراهيم تولى مهمات أمنية حساسة ونال عليها الكثير من الثناء والشكر وصولاً إلى دعوته إلى الولايات المتحدة الأميركية كضيف مكرّم، ولكنّه في ما خصّ دوره في قضية تفجير مرفأ بيروت ونظراً لما أُعطي من صفات كثيرة، من الأفضل له أيضاً أن يتنحى عن مهامه كمدير عام للأمن العام ريثما ينتهي التحقيق وتعلن براءته. هكذا يتصرف رجال الدولة حتى لو لم تكن هناك دولة وهو الذي أعطى لنفسه صورة رجل الدولة، فإن اتهامه أو الإدعاء عليه لا ينقص من هذه الصورة إنما ما ينقص منها وينقضها هو الطريقة التي يواجه فيها مسألة الإدعاء عليه. لا يجوز أن يتصدّى مدير عام الأمن العام المفترض أنه ضابطة عدلية للمحقق العدلي، من خلال اختلاق ما سمي خلية قانونية تضمّ عدداً من المحامين لتجتمع به وتنقل عنه ما يدافع به عن نفسه، وهو بذلك يضعف موقفه وموقعه ويقضي على الصورة التي كوّنها. كيف يمكن أيضاً للمحقق العدلي أن يطلب معونة من الأمن العام بينما مدير الجهاز مدعى عليه ويرفض المثول أمامه؟

 

هذا الأمر يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور الجهازين؟ هل يعملان مثلاً على عرقلة التحقيق بدل خدمته؟ من يتولى مثلاً حماية القاضي بيطار؟ عناصر من أمن الدولة؟ وكيف يمكن أن تنتظم عملية حمايته؟ هذه المسألة حسّاسة نظراً للمواجهة الصعبة التي يخوضها.

 

تشكيكاً بما يقوم به بيطار، ثمّة من يعتبر أنّه أهمل مسألة ملاحقة مدير مخابرات الجيش الحالي العميد طوني قهوجي وقائد الجيش العماد جوزاف عون، واكتفى بالإدعاء على قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي ومدير المخابرات السابق وبعض الضباط، وأنه اكتفى أيضاً بالإدعاء على عدد قليل من القضاة بينما كان عليه ألا يكتفي بذلك ويذهب إلى الإدعاء على القيادات العليا أيضاً من دون أن يستثني أحداً، من رئيس الجمهورية نزولاً إلى قيادة الجيش والقضاء. ولكن لا يمكن التعميم في مسألة تحقيق معقّد ومتشعّب من هذا النوع لأنّ القاضي يستند إلى ما يتوفّر لديه من معطيات ويبقى على المحكمة، أي المجلس العدلي في هذه القضية، أن تحكم بما ظنّ به قاضي التحقيق أو أن تبرئ.

 

في مطلق الأحوال ربّما من الأفضل أنّه كما وافقت محكمة التمييز على كفّ يد المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020 للإرتياب المشروع أن يتمّ أيضاً كفّ يد اللواءين ابراهيم وصليبا للسبب نفسه خدمة للعدالة ولموقعهما، وإذا لم يكن التنحّي طوعياً فمن الأولى أن تتولى السلطة اتخاذ هذا القرار حتى ولو كانت الحكومة تكتفي بتصريف الأعمال.

 

بين اغتيال الحريري وانفجار المرفأ

 

بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 لم يكن من الممكن المضي قدماً في التحقيق المحلي وبعده في التحقيق الدولي، في حال استمرّ رموز جهاز أمن الوصاية السورية متحكمين بالأمن وبالعدالة في لبنان. ولذلك كان الهدف الأول إبعاد الضباط الأربعة اللواء جميل السيد مدير عام الأمن العام والعميد ريمون عازار مدير المخابرات، والعميد مصطفى حمدان قائد لواء الحرس الجمهوري واللواء علي الحاج مدير عام قوى الأمن الداخلي، بعدما تم رفع يافطات في 14 آذار 2005 تطالب بإقالتهم. ما انطبق وقتها على قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري لا يمكن أن تشذّ عنه قضية تفجير مرفأ بيروت.