IMLebanon

وقائع المواجهة المثلّثة

 

 

تشتدّ المواجهة في لبنان ومعه على قاعدة تحوّله إلى بلد مؤثّر في المعادلة الإقليميّة، وحاجة في المعادلة الدّوليّة. ولا يمكن بعد اليوم أن يستمرّ الوضع على ما هو عليه، لأنّ الانهيار اللبناني لا يعني اللبنانيين فقط. فما هي وقائع المواجهة التي تعصف بالدّولة اللبنانية اليوم؟ وهل من آفاق لأيّ حلول؟

 

لقد باتت الدّولة اللبنانية اليوم أمام عائق جديد يقوم على مواجهة مثلّثة الأضلع. الضلع الأوّل الذي يمثّل المواجهة الأولى وهو يقوم على المواجهة الحقيقيّة بين ركني لبنان اللذين يمثلان اللبنانين المتصارَع على هويّتيهما، الفريق الأوّل متمثّل بمنظّمة «حزب الله» وحلفائها في منظومة الفساد الذين يريدون لبنان عقائديّاً كما بشّر به رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» هاشم صفيّ الدين، أمّا اقتصاديّاً فخبرنا نتائج تجربتهم الاقتصاديّة ونعيشها كلّ يوم. أمّا الفريق الثاني فتجسّده بكركي التي تحوّلت إلى بطريركيّة لبنانيّة سياديّة تريد لبنان التعدّدي والحيادي، لبنان الـ10452 كم2.

 

وتتصدّر معركة رئاسة الجمهوريّة المواجهة في هذا الإطار حيث صارت لغة البحث عن الرئيس المقبول من طرفي المواجهة هي سيّدة المواقف، لا سيّما بعدما رشح من تصريحات لبعض المقرّبين من المنظّمة عن إمكانيّة القبول باسم قائد الجيش العماد جوزاف عون، تضاف إلى ما صرّح به رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في هذا السياق أيضاً. ما يعني أنّ العماد عون هو الأوفر حظّاً حتّى الساعة. ولا سيّما أنّ الحزب لن يغامر برصيده في الداخل بمواجهة مع المجتمع الدولي الذي يدفع نحو استقرار الوضع السياسي في لبنان ليصبح مكاناً آمناً للإستثمار النفطي.

 

أمّا الضلع الثاني فتجسّده المواجهة الثانية التي تخوضها منظّمة «حزب الله» مع المجتمع الدّولي على خلفيّة المشروع العقائدي القائم على نشر الثورة الإسلاميّة لتحويل العالم العربي إلى التشيّع على قاعدة ولاية الفقيه تحت إمرة الوليّ الفقيه في إيران. وذلك قد يتحقّق أوّلاً بتنفيذ الهلال الشيعي الممتد من طهران عبر سهل نينوى في العراق والذي تمّ القضاء على تعدّديّته الحضاريّة – الدينيّة من قبل فصائل إيران، وصولاً إلى الشام التي لم تعد تشبه أرض الأمويّين وحضارتهم بشيء، حتّى بيروت حيث مدرسة الحقوق التي انطلقت منها العدالة والمساواة إلى محيطها العربي كلّه.

 

وفي هذا السياق، يبدو أنّ المنظّمة المسلّحة بالسلاح غير الشرعيّ وخارج كلّ أطر شرعيّة الدّول، قد دخلت في اشتباك إقليميّ لا سيّما بعد قمّة جدّة التي خصّصت حيّزاً لاستقرار لبنان. إضافة إلى ما صدر عن ملك الأردن مؤخّراً الذي اتّهم ميليشيات تابعة لإيران تسعى لزعزعة الأمن والإستقرار في الأردن، ما يعني أنّ هذه المنظّمة باتت مزعزِعَة للأمن القومي العربي، وبالتالي لن تكون بمنأى عن مواجهتها عربيّاً للحدّ من تداعيات دورها التخريبي.

 

والضلع الثالث من المواجهة هو مواجهة من طبيعة «جارتيّة» مع الجار اللدود للدّولة اللبنانيّة، أي العدوّ الإسرائيلي الذي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى مفاوِضٍ ودود مع تلك الدولة اللبنانيّة نفسها التي تقودها منظمة «حزب الله» بعد عدّة جولات، يبدو أنّها ستثمر اتّفاقاً مبدئيّاً لأنّ المنظّمة المسلّحة باتت تدرك أنّ تكلفة التفاوض عليها، حتّى شعبيّاً، هي أربح بكثير من الحرب التي على ما يبدو إن تمّت، لن ترحم لا بشراً ولا حجراً في أيّ صقعٍ من الأصقاع اللبنانيّة والعربيّة.

 

لكن على وقع ما قد تحمله زيارة الموفد الأميركي آموس هوكشتاين من بوادر للحلحلة في هذا الملفّ، إلا إن تمّ إحياء الخطّ 29 من جديد ليعيد بذلك نصرالله أمين عام منظّمة «حزب الله»، الأمور إلى بداياتها. لا سيّما بعدما صرّح به وزير الحرب الإسرائيلي بيني غانتس بأنّه، أي نصرالله، « يعيق التوصّل إلى حلّ، وهو مَن سيلحق الضرر بالطاقة ووضع اللبنانيين»، وفق تعبيره، وأضاف غانتس: «آمل ألا نتدهور إلى حرب أو أيام قتال لكن علينا الدفاع عن قدرتنا على استخراج الغاز، من دون المسّ باللبنانيين». وفي هذا الكلام تهديد واضح لـ»حزب الله» مع محاولة لطمأنة اللبنانيين، وهو ما يؤشّر إلى أنّ المواجهة إن وقعت قد تكون محدودة لتحسين شروط التفاوض. فبنهاية المطاف الكلّ على طاولة واحدة، وهنالك مصلحة مشترَكَة بين الطرفين.

 

أمام هذه الوقائع القاتلة كيفما دارت، تبدو آفاق الحلول محدودة في المرحلة الراهنة إلّا إن نجح الفريق السيادي اللبناني بمواجهته مشروع إيران في لبنان. ولن يتمكّن من ذلك وحده لأنّ المواجهة في لبنان تعني المواجهة في المنطقة كما أشرنا آنفاً. لذلك، لا بدّ من القليل من التواضع والتوجّه نحو اعتماد مواجهة من طبيعة أمميّة قاعدتها تطبيق القرارات الدوليّة وأوّلها القرار 1559 بالكامل لاستعادة السيادة اللبنانيّة. لكن حذارِ أن تتحوّل منظّمة «حزب الله» إلى شركة مساهمة ومضاربة نفطيّة مع الدّولة اللبنانيّة لتحوّل هذا القطاع في العهد المقبل إلى مصدر جديد لتمويل نشاطاتها الإرهابيّة والإيديولوجيّة في لبنان والمنطقة. وعندها يقع اللوم على مَن أفشل المخطّط السيادي في لبنان بعدم دعمه مشروع الرئيس السيادي، وعلى مَن تقاعَس في الضغط على المجتمع الدّولي ليقوم بواجباته الأمميّة تجاه لبنان الدولة.