IMLebanon

بعد الجلسة الثانية عشرة كيف نواجه خطر الفوضى والإنهيار؟

مع إعلان تحالف أحزاب المعارضة وبعض النواب التغييريين والمستقلين ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور لخوض السباق الرئاسي في مواجهة مرشح حزب الله وحلفائه، أصبح للرئاسة مرشحان إثنان فاكتملت الشروط التقنية لعقد جلسة انتخاب رئيس للجمهورية وقد دعى رئيس المجلس النيابي نبيه بري الى جلسة إنتخاب في الرابع عشر من الشهر الجاري.
ينبثق المرشحان من بيئتين سياسيتين مختلفين بكل ما في التوصيف من شمولية، ويدلّل الإختلاف الكبير بينهما على التمايز في الرؤى بين فريقين سياسيين حول مستقبل الدولة في لبنان وموقع القانون والدستور والمؤسسات في الحياة الوطنية، وحول دور لبنان في المجتمعين العربي والدولي وقيّم الجمهورية التي سيركن المواطنون اللبنانيون للعيش في ظلها.
يستند الوزير السابق سليمان فرنجية في خوض السباق الرئاسي إلى إرث البيت السياسي التقليدي بمواصفاته العائلية/ الطائفية والإقطاعية والعصبوية وإلى علاقة طويلة مع سوريا استندت إليها مسيرة العائلة في بناء حيثيتها الزعماتية واستمراريتها، ولكنها أثقلته بأوزار تحالفات قيّدت حركته وأضعفت مرونته على الصعيدين المسيحي والوطني، فيما يستمد الوزير السابق جهاد أزعور عناصر قوته من مسيرة أكاديمية وتقنية مرموقة في عالمي المال والإقتصاد ومؤسساتهما الدولية ومن تجربة إصلاحية في تحديث النظم الضريبية والمالية خاضها أثناء توليه وزارة المالية ما بين العامين 2005 و2008 ليترك بعدها السياسية بمفهومها اللبناني دون أن يلتحق بأي من الإصطفافات المعروفة.
إذن مرشحان للرئاسة من مدرستين سياسيتين مختلفتين، وفي الأفق مشروعان مختلفان إلى أبعد الحدود في الخيارات الوطنية بأبعادها السياسة والإقتصادية. تعنت حزب الله بترشيح فرنجية وإنكاره الفاقع لحق الفريق الآخر بتسمية مرشحه يشير بما لا يقبل الشك الى رغبة أكيدة في تشريع ما حققه من مكتسبات من خلال سلاحه وإمعان في تحلل ما تبقى من هياكل هشة للإدارة والمؤسسات. وما أدبيات التّحدي والتخوين المستخدمة من قبل حزب الله في توصيف المرشحين الآخرين – من النائب ميشال معوض وصولاً إلى الوزير السابق أزعور ومروراً بكل من استعرضت أسماؤهم في سياق البحث عن مخرج للشغور الرئاسي – سوى رسائل تهديد بالذهاب الى أبعد حدود الإستباحة لمنع وصولهم، وأما الدعوة للحوار والتوافق فلها معنى واحد «إنصاعوا لخيارنا ولنتفق على ما يحفظ ماء وجهكم».

الإفتراق في مشروع الدولة الوطنية الذي يقوده حزب الله وفريقه السياسي له مسوّغاته الإقليمية المستندة الى مشروع الجمهورية الإسلامية وخارطة نفوذها من الخليج العربي حتى المتوسط، كما له إسقاطاته الداخلية المتمثلة بقوى محلية يساهم حزب الله في إنتاجها ودعمها، وتشاركه في تقاسم السلطة واستباحة المؤسسات وتجويف الدولة وإسقاط لبنان عربياً ودولياً. هذا الخيار السياسي هو ما يتمسك به حزب الله وحلفاؤه وهو ما جعله يثابر على تعطيل المسار الدستوري منذ بدايات المهلة الدستورية.
أمام هذا الوضوح في الخيارات يصبح من المتعذر البحث عن مرشح توافقي بسبب تعذر تحديد مقوّمات التوافق المنشود سوى بإعلان العجز عن إحداث أي تغيير والمضي في مسار الإنهيار. كذلك يصبح متعذراً فهم الأسباب الكامنة وراء استمرار بعض النواب لا سيما التغييريين منهم في عدم حسم مواقفهم والإستمرار في الإقتراع بورقة بيضاء أو بعبارات وأسماء غير قابلة للصرف. والسؤال المنطقي والملحّ ههنا، هل هناك خيار ثالث لدى هؤلاء لم نتبيّن معالمه بعد؟ وهل هناك من دور وطني ومسؤول لممثلي الشعب أسمى من الإقتراع لإنتاج سلطة وطنية؟ وهل يمكن أن تُقرأ الورقة البيضاء في هذه اللحظة الحرجة خارج إطار نرجسية فاقعة لا قيمة لها؟ ثم كيف يفسر هؤلاء سياسة اللاموقف؟
من ناحية أخرى كيف يمكن تفسير عجز بعض الكتل البرلمانية الصلبة، كما تدعي، عن اتّخاذ موقف موحّد من أحد المرشحين أو انقسامها بين الإقتراع لأحدهم أو بورقة البيضاء. ألا يستدعي ذلك إعادة النظر بالأهداف التي أُنشئت من أجلها هذه الكتل وبتكوينها، وهل يؤسس ذلك لإنقسامات واختراقات قابلة للتوظيف وستجد طريقها عند كل إستحقاق مقبل؟
قد لا تفضي الجلسة الثانية عشرة لانتخاب رئيس للجمهورية إلى إنهاء الشغور، فالتطبيق الإستنسابي للمادة 49 من الدستور الذي اعتمد والتمسك بنصاب الثلثيّن في الدورة الثانية والدورات التي تلي، وإقفال محضر الجلسة خلافاً للنص الدستوري سيؤدي مرة أخرى الى تعطيل النصاب وإفشال الجلسة. وفي كلمة حق تقال، يسجل لقوى المعارضة والنواب المستقلين والتغييريين النجاح في إسقاط نظرية المرشح الأحادي التي سعى حزب الله الى فرضها، لكن المسؤولية المقبلة قد تكون في وضع خطة وطنية لمواجهة خطر الفوضى والإنهيار في ظلّ الشغور الرئاسي.

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات