IMLebanon

1943 – 2022.. عهدان وحكومات سقطوا تحت ضغط الشارع (3)

 

اليوم الأول من الشهر الثاني من الشغور الرئاسي وجلسة اليوم كسابقاتها

 

يبدأ اليوم الأول من الشهر الثاني على الشغور الرئاسي من دون أن يلوح في الأفق بصيص أمل بوضع نقطة النهاية لهذا الشغور، في وقت لا يتوقع أحد أن تنتج جلسة مجلس النواب اليوم أي جديد ليمضي شهر كانون الأول نحو بداية عام جديد والكرسي الأولى تنتظر سيدها، لتنتظم الحياة الدستورية والسياسية والإدارية في البلاد والبدء بوضع العلاجات اللازمة للأزمات الحادّة التي تعانيها البلاد والعباد، معيشيا واقتصاديا وماليا وسياسيا، إذ أن لبنان على مرِّ تاريخه منذ زمن الانتداب الفرنسي حتى اليوم شهد أزمات كانت تنتج حراكا فاعلا، لكن هذا الحراك الشعبي في مواجهة شتى الأزمات لم يكن في هذا المستوى من الانقسام والتشتت والضياع كما هو اليوم، حيث يسجل منذ العام 1943، إسقاط نحو 12 حكومة وعهدين تحت ضغط الشارع اللبناني، والاحتجاجات الشعبية

 

مع تولي الرئيس كميل شمعون السلطة في 23 أيلول 1952 بدأت ميوله الغربية تتضح شيئا فشيئا، بالإضافة إلى معاداته للعروبة، بما يعني مخالفته للميثاق الوطني، وخصوصاً مع ظهور نيّته بدءاً من العام 1954 بالانحياز إلى حلف بغداد، وفي عام 1957 كشف عن نزعته للإنضمام إلى مشروع ايزنهاور، فتوسعت المعارضة ضده، واضطر لفيف من النواب منهم: صبري حمادة، حميد فرنجية، عبد الله اليافي، رشيد كرامي، أحمد الأسعد ومعروف سعد إلى تقديم استقالاتهم من مجلس النواب بعد أن فشلوا في الحؤول دون إقرار المشروع، فكانت هذه الاستقالة بمنزلة إعلان انفتاح أزمة شديدة وبداية لتجمع المعارضين وتكتلهم، فتشكّلت في ربيع عام 1957 جبهة الاتحاد الوطني التي ضمت العديد من الشخصيات نذكر منهم: صبري حمادة، أحمد الأسعد، حميد فرنجية، حسين العويني، صائب سلام، عبد الله اليافي، وفيليب تقلا، وكان من أهداف هذه الجبهة:

• رفض الأحلاف الأجنبية.

• تبنّي سياسة خارجية محايدة ومستقلة بين المعسكرين.

• مواصلة النضال لتحرير العالم العربي.

• التمسّك بالميثاق الوطني وبالتعاون بين المسلمين والمسيحيين.

وعلى حد تعبير الرئيس صائب سلام لي في حديث معه، فإنَّ وقائع وأحداث عام 1957أسست لأزمة عام 1958، إذ انه في شهر حزيران من عام 1957 جرت الانتخابات النيابية التي رفع بموجبها عدد أعضاء المجلس النيابي إلى 66 بدلا من 44 نائبا، والتي وصفت بأنها تميّزت بتزوير واسع، ويشير مايلز كوبلاند الذي ساعد في العام 1949 في تنظيم وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ثم عمل مستشارا أعلى لمؤسسة أميركية كبرى متخصصة في العلاقات الحكومية، وهو قضى القسم الأعظم من حياته العملية في منطقة الشرق الأوسط، يشير إلى ان «السفارة الأميركية في بيروت – وليست وكالة المخابرات – قامت بتقديم مساعدات لبعض الحملات الانتخابية للمرشحين الموالين للغرب».. لافتا أيضا إلى «مساعدات قدمتها السفارات البريطانية والفرنسية والسوفياتية والمصرية للمرشحين الموالين لها».

مع اتساع هوة الخلاف بين اللبنانيين، كان التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية يتزايد باستمرار، ويؤكد مايلز كوبلاند على ذلك بقوله: «لم تكن مراقبة الأحداث لتقتصر على السفير الأميركي في بيروت وحده (وكان يومئذ دونالد هيث سفيرا حتى أواخر 1957، ثم روبرت ماكلينتوك في أوائل 1958)، بل كان يشاركه في هذا عدد من كبار المراقبين الرسميين وشبه الرسميين (الذين كانت لهم صفة الاستقلال عن السفير أو كانت تربطهم به مجرد علاقات شكلية)».

وكان على رأس هؤلاء ويلبور (بيل) ايفلاند، الذي أرسله البيت الأبيض كمبعوث خاص ليبقى على اتصال وثيق بالرئيس شمعون وليشرف على تنفيذ (مشروع ايزنهاور).

مع إطلالة العام 1958 كان التوتر الداخلي في لبنان قد بلغ مداه، خصوصا مع إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في شهر شباط، وإعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر، وكان من شأن هذه الأحداث، كما يقول يوسف سالم: «أن تحدث هزات عنيفة في لبنان حسبت المعارضة انها تخدم أغراضها وتضعف كميل شمعون، لكن شمعون عرف ان يستغلها ويحيط رئاسته بهالة».

ان «قيام أول وحدة بين قطرين عربيين أيقظ آمال الوحدة في نفوس الأجيال العربية التي كانت كارثة فلسطين قد صدمتهم. وكان من الطبيعي أن تتأثر الجماهير الإسلامية في لبنان بهذا الحدث ولا سيما ان الأحزاب العقائدية ووسائل الإعلام المصرية كانت قد وفّرت الأجواء الملائمة، وكان من جراء ذلك أن ارتفعت درجة التوتر بين الحكومة اللبنانية والقاهرة وان ازداد الانقسام المسيحي – الإسلامي في لبنان هوة».

ويقول يوسف سالم في هذا الخصوص: «وأدرك اللبنانيون العقلاء المعتدلون خطورة الحالة وخطرها، وأيقنوا ان كميل شمعون لم يبعد عن المجلس أقطاب المعارضة والزعماء السياسيين، إلّا ليعمل على تجديد رئاسته في خريف العام 1958، كما ادركوا انه إذا استمر اللبنانيون منقسمين هذا الانقسام الذي ينذر بشبه حرب أهلية تعرض لبنان لخطر فادح»، فكان أن حصل اجتماع في منزل النائب والوزير السابق يوسف سالم، حضره إضافة إليه عدد من الشخصيات السياسية منهم: بيار الجميل، هنري فرعون، شارل حلو، غسان التويني، الدكتور يوسف حتي، بهيج تقي الدين، جورج نقاش، محمد شقير، جان سكاف، غبريال المر، ونجيب صالحة، وقرر المجتمعون الاتصال بالسلطة وأطراف المعارضة وأطلقوا على أنفسهم اسم «القوة الثالثة»، غير ان بيار الجميل وشارل حلو سرعان ما استقالا من هذه القوة دون ان يحددا الأسباب.

بدأت هذه القوة اتصالاتها مع الأطراف المختلفة وكان اللقاء الأول مع رئيس شمعون، وفي هذا اللقاء يقول يوسف سالم الذي تحدث باسم القوة الثالثة: «أعربت – للرئيس شمعون – عن القلق الذي يسود اللبنانيين، وعن مخاطر الفترة التي يمرّ بها لبنان، وقلت له بصراحة ان من الأسباب التي أدّت إلى هذا التوتر في البلاد هي النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية.

وأضفت: وبعضها يتصل برغبتكم في التحديد ولا يخفي على فخامتكم ان التجديد يتطلب تعديل الدستور، وتعديل الدستور في هذا الجو المشحون بالقلق أمر شاق فضلا عن انه غير ملائم في الوقت الحاضر.

فأجاب الرئيس بحدّة: ومن قال لكم انني أعمل على تجديد ولايتي؟ أنا لم أعلن ذلك. قلت: يكفي يا فخامة الرئيس أن تعلن انك غير راغب في التجديد حتى تهدأ الأمور. فقاطعني بقوله: لا أستطيع أن أعلن ذلك، لأنني إذا لم أجد مرشحاً يستطيع أن يكمل السياسة التي سرت عليها، عند ذلك أرى نفسي مكرها على العمل للتجديد. فقال جورج نقاش للرئيس: إذا كنت تعتقد انك لن تجد بين المليونين ونصف المليون لبناني من يستطيع أن يكمل سياستك فهذا يعني ان هذه السياسة ليست لبنانية. عند ذلك قال الرئيس شمعون: إذا لم يكن عندكم ما تقولونه غير هذا فقد انتهى الحديث».

ويشير يوسف سالم إلى انه قبل وصول وفد «القوة الثالثة» إلى قصر الرئاسة كانوا قد وضعوا بيانين ليذيعوا أحدهما عند انتهاء الزيارة: الأول يعلنون فيه استجابة الرئيس إلى رجائهم بإعلانه الرغبة في عدم التجديد، والثاني، ان الرئيس لم يقبل رجاء «القوة الثالثة» ورفض أن يصرح بعدم رغبته في التجديد. ولما انتهت هذه الزيارة على الشكل الذي انتهت إليه أعلن سالم للرئيس انه سيذيع البيان الثاني، فأجاب الرئيس بغضب: «افعلوا ما أردتم» وبأيّ حال، فقد ظلت الأزمة في تصاعدها، وفي الثامن من أيار 1958 انطلقت كما يقول مايلز كوبلاند: «الشرارة الأولى التي فجرت الصراع كله في لبنان» وذلك اثر اغتيال الصحفي المرحوم نسيبب المتني صاحب جريدة «التلغراف».

ويروي مايلز كوبلاند فيقول: «وتحت ضغط فوزي الحص واميل بستاني، غادرت بيروت إلى القاهرة، وقصدت ناصر للاجتماع به بعد تبادل سريع للآراء مع سفيرنا هناك ريموند هير، وكنتيجة لمقابلتي ناصر وسفيرنا، قدّم ناصر إلى السفير اقتراحا جاء فيه: «لما كانت كل من الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية العربية المتحدة تمثلان الطرفين الخارجيين اللذين لهما علاقة بالأزمة اللبنانية، فإنني لا أرى مانعا في عقد اجتماع يضم الطرفين، وذلك للتوصل إلى اتفاق حل يفرضانه على اللبنانيين، إلّا ان السفير هير ردّ على اقتراح ناصر (بعد تبادل الرأي مع واشنطن) بجواب تعمد فيه إساءة تفسير اقتراح ناصر وجاء فيه (انه من دواعي سرور حكومة الولايات المتحدة أن تبذل قصارى جهدها للتوسط في النزاع بينك وبين الرئيس شمعون»، إلّا ان ناصرا، الذي اعتاد أن يوقع السفراء الأميركيين في شركه، دون تذمر أو احتجاج منهم. تضايق من هذه المكيدة التي دبرها السفير هير، وعندما اجتمعت به أحسست انه ما زال يعاني من وخزها، ومع ذلك فقد أسهب ناصر في شرح آرائه حول الأزمة اللبنانية لينتهي أخيراً إلى القول، انه لو كانت الأزمة اللبنانية تخصه وحده دون سواه، فأنّ ما يفعله هو تنصيب الجنرال فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية ورشيد كرامي رئيسا للوزراء.

أخبر السفير الأميركي في بيروت آنئذ الرئيس شمعون ان الأدلة التي قدّمها على تدخل الجمهورية العربية المتحدة لم تكن مقنعة ولا حاسمة، كما ان مراقبي الأمم المتحدة لم يعثروا على أي دليل لهذا الغرض ولهذا فإنّ نزول القوات الأميركية في لبنان أمر غير وارد البتة.

وهكذا أصبح الرئيس شمعون مثبط الهمّة، وغدت فكرة التوصيل إلى تسوية النزاع أكثر احتمالا وأقرب منالاً».

ويؤكد باسم الجسر «ان الحكومة اللبنانية تقدمت بشكوى لدى مجلس الأمن ضد الجمهورية العربية المتحدة متهمة إيّاها بمساعدة الثوار وبالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، فأرسل مجلس الأمن فريقا من المراقبين للتأكد من صحة الشكوى، وجاء تقريرهم لا يؤكد ولا ينفي وجود التدخل.

وتقدمت الحكومة اللبنانية بشكوى ثانية أمام مجلس جامعة الدول العربية، دون أن تحظى بنتيجة.

عندئذ طلب الرئيس شمعون تدخّل أميركا العسكري والذي حدّد أسبابه بخمسة وهي:

• المساعدة التي تقدمها جهات خارجية للثوار.

• ان الشكوى إلى جامعة الدول العربية لم تعطِ أي نتيجة.

• ان مراقبي الأمم المتحدة لم يقوموا بأيِّ عمل.

• ان مجلس الوزراء أعطاني في جلسته المنعقدة في 16/1/1958 تفويضا بالقيام بأيِّ عمل يضمن استقلال لبنان وسيادته وترك له حرية اختيار الظرف المناسب للتنفيذ.

• ان قيام الثورة في العراق في 14 تموز 1958 كان من شأنه تشجيع الثوار على الاستيلاء على الحكم في لبنان. وهنا، يقول شمعون استدعيت سفراء أميركا وبريطانيا وفرنسا وطلبت تدخّل الأسطول السادس.

بعد تسارع الأحداث على النحو الذي ذكرنا أوفد الرئيس الأميركي ايزنهاور مساعده روبرت مورفي إلى لبنان، الذي اجتمع مع كل الأطراف. وتدارس الموقف معهم، ودس كما يقول يوسف سالم «أثناء حديثه سؤالا عن الرجل الذي يستطيع، فيما إذا تولى الحكم، أن يعيد الأمن والطمأنينة إلى لبنان ويقضي على الفتنة، فكان اجماع المعارضة على رفض تجديد الولاية لشمعون، وفهم من حديثهم ان اسم الجنرال فؤاد شهاب مقبول».

وزار مورفي «شمعون ونصحه بأن لا يفكر في التجديد حتى لا يقال انه استعان بالجيش الأميركي ليجدد الرئيس لنفسه، فاعرب له الرئيس شمعون عن خيبة أمله في أصدقائه الغربيين وفي طليعتهم الأميركيين وقال له: «اني أحصد ثمار موقفي معكم ضد الشيوعية، وها أنتم الآن تقفون مع المعارضة ضدي».

وأجاب مورفي، كما يؤكد يوسف سالم، جوابا قاطعا بقوله: «لا تجديد، وإنما نترك لك يا حضرة الرئيس أن تفكر في الأمر، ويبدو لي، بعد أن درست الموقف، ان اللواء فؤاد شهاب هو أصلح المرشحين في هذه الفترة العصيبة التي يمرّ بها لبنان». لقد عانى الرئيس شمعون من صعوبات جمّة لإضفاء الشرعية على حكمه، منذ بداية 1958 وحتى وصول اللواء شهاب إلى الرئاسة. فقد استقالت الحكومة التي كان يرأسها سامي الصلح في الرابع عشر من نيسان من ذلك العام، ولكن أعاد شمعون تكليف الصلح تشكيل وزارة أخرى استمرت حتى نهاية العهد في أيلول. وكانت هذه الوزارة الثانية عشرة في ست سنوات قضاها شمعون رئيساً، ليتغيّر في عهده أكبر عدد من الوزارات، لم يسبقه فيها سوى عهد بشارة الخوري الذي امتد تسع سنين وتغيّرت فيه خمس عشرة وزارة.

يضاف إلى كل ذلك، استمرار المقاومة الشعبية في مختلف المناطق ضد حكم الرئيس شمعون، وفي ظل هذه التطورات، أثر رئيس الحكومة سامي الصلح ترك الحكم، فغادر إلى اسطنبول، دون أن يقدم استقالته، ودون أن يسلم من خلفه وهو الوزير في حكومته خليل هبري الذي صدرت مراسيم بتكليفه برئاسة الحكومة، فسجل بذلك أول سابقة في تاريخ رؤساء الحكومات، بأنه لم يسلّم خلفه.

(يتبع)