IMLebanon

الرئيس الحريري بين بيان باريس وقيس الخزعلي

 

لم يكد الرئيس سعد الحريري ينتهي من تلاوة بيان النأي بالنفس، إثر عودته عن الإستقالة حتى كان نائب الأمين العام لحزب الله​ ​الشيخ نعيم قاسم يقدّم أمام المؤتمر الـ31 للوحدة الإسلاميّة في​طهران خلاصاته حول تجربة​إيران​ وحزب الله كنموذج إسلامي استطاع أن يشكّل قطبا جاذباً للعالم. منذ تلك اللحظة وحتى ما بعد إنعقاد مؤتمر مجموعة الدعم الدوليّة، يخضع بيان النأي بالنفس والرئيس الحريري لجملة من الاختبارات لتلمسّ ردود فعله واختبار مرونة البيان وقدرته على الصمود.

ظهور قيس الخزعلي، قائد ما يُسمى بـ«عصائب أهل الحق» التابعة للحشد الشعبي العراقي، بلباسه الميداني في جولة عند الحدود اللبنانية – الإسرائيلية برفقة مسؤولين من حزب الله، وحديثه عن الجاهزيّة الكاملة للقتال والتمهيد للدولة الإسلاميّة التي يحكمها «صاحب الزمان»، وظهور مقاتلين عراقيين وأفغان من سرايا السلام التابعة للتيار الصدري يتحدثون عن مشاركتهم في مساندة الحزب في التّصدي للعدوان، والتزام حزب الله الصمت، لم يكن من قبيل الصدفة بصرف النظر عن تاريخ حصول هذين الإختراقين.

توحي مجريّات الأحداث أنّ الحزب ينظر بترقّب وتبصّر الى ثلاثة مستجدّات طرأت على ميادين اهتمامه ونفوذه: مآلات الإحتضان الدولي للبنان الذي عبّر عنه بيان مجموعة الدعم الدوليّة بمشاركة الأمم المتّحدة والجامعة العربية، مسار الوضع الميداني في سوريا وعودة وفد النظام السوري إلى المفاوضات، وثقل السيطرة الروسية على حركة النظام وتقييد مناورته الميدانية والسياسية. الميادين في كلّ من سوريا والعراق ولبنان أضحت خاضعة لجملة من الثوابت لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها: إعلان انتهاء الحرب على الإرهاب في سوريا وزيارة الرئيس بوتين الى حميميم وإعطاء الأمر الى القادة الميدانيين بمباشرة الإنسحاب، إعلان رئيس الحكومة العراقي الانتصار على داعش والسيطرة على كامل الحدود العراقية السورية والبيان النهائي لمجموعة الدعم الدوليّة للبنان. تزاحم القوى الدوليّة وتشابك مصالحها على محور بيروت طهران مروراً ببغداد ودمشق يؤرق إيران وحزب الله ويحدّ من حركية محوّر المقاومة الذي أعلن انتصاره أكثر من مرة. قرار الرئيس ترامب المتجاوز للقرارات الدوليّة بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل أتى في لحظة حرجة تمّ اختيارها بحذاقة، لحظة أحرجت حلفاء أميركا أمام شعوبهم كما فوتّت على المعسكر المقابل فرصة استثمار اللحظة واستعادة المبادرة من خلال قضيّة وجوديّة إسلاميّة وعربيّة.

لم يكن باستطاعة الرئيس الحريري تمرير الإختراقيّن الأخيرين للقرار 1701. مبادرة الرئيس اقتصرت على محاولة الإحاطة بالظروف التي أدّت الى حصولهما، نظراً للقيود التي تخضع لها عملية الدخول والخروج الى منطقة عمل قوات القوات الأمم المتّحدة في الجنوب. يدرك حزب الله أنّه يحاول الاستشعار عن بعد في ظروف حرجة وأنّ كل محاولات التذاكي اللبنانية لحذف القرار 1559 من البيان النهائي لمجموعة الدعم باءت بالفشل تحت طائلة إلغاء البيان، ويدرك الرئيس الحريري أنّ مصداقيته وقدرته على السيطرة وعلى اتّخاذ التدابير هي أيضاً تحت مجهر المجتمع الدولي. تحذيرات الرئيس إيمانويل ماكرون بالقول إنّ «حماية لبنان تتطلب أن يحترم الفرقاء اللبنانيون واللاعبون الإقليميون المبدأ الهام جداً، وهو النأي وعدم التّدخل…. وأنّ انخراط الميليشيات اللبنانية في المواجهات التي تُدمي الشرق الأوسط لا يمكن أن تتواصل من غير تعريض لبنان بكافة مكوّناته لأخطارها الجانبية» وسحب ملف أزمة النازحين السوريين من التجاذب اللبناني الى الحاضنة الدوليّة، كلها إشارات واضحة الى استكمال وضع اليد على كلّ الملفات المتعلّقة بالأزمة السورية على الساحة اللبنانية.

بيان باريس الذي أشار بوضوح إلى أنّ مجموعة الدعم «ستتابع عن كثب تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء الخاصة بموضوع النأي بالنفس، وضرورة تنفيذ القرارين الدوليين رقم 1559 و1701 لها دلالاتها حول جدّية عدم تكرار اختبار الخزعلي، ودعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأمس من القاهرة إلى مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية مباشرة حول «كل القضايا المتنازع عليها بما فيها وضع القدس» بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لها أكثر من دلالة برسم القوى الحليفة لموسكو لضبط ردود فعلها حول القرار الأميركي.

«لبنان بلد تقرّر فيه التوازنات الإقليمية»، عبارة اختصر فيها الرئيس الفرنسي معادلة بيان باريس واختبار الخزعلي.

 

 

مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات