IMLebanon

خريف المدرسة الرسمية يحتاج إلى أكثر من المساعدات الدولية ليزهر

 

 

توجّس من عدم انطلاق العام الدراسي ومطالب بتحويل أموال الدول المانحة مباشرة إلى الطاقم التعليمي

 

 

بدأ أساتذة التعليم الرسمي الأساسي العام الدراسي بإضراب مفتوح. استبصروا باكراً مشهدية زيف الوعود المتكررة، واشتمّوا رائحة “حريق” الدولار لمداخيلهم، حتى لو تضاعفت، فقرروا التصعيد باكراً. مئات آلاف التلامذة مهددون أكثر من أي وقت مضى بالبقاء هذا العام خارج الصفوف. وإن قدّر لهم ودخلوا، فسيكون عامهم محفوفاً بالعجز عن تأمين أول حقوقهم من إنارة وتدفئة، مروراً بالتجهيزات اللوجستية، ووصولاً إلى القدرة على طباعة ورقة.

 

إنها الأزمة بأخطر تجلياتها، وأبشعها. جيل بأكمله وقع مصيره بقبضة منظومة مصرّة على عدم فرملة الانهيار المتسارع منذ 4 سنوات. مجافاة الاصلاحات الاقتصادية والنقدية، واستبدالها بالاجراءات الترقيعية التي تعوزها الشفافية، والتسول على أبواب الدول المانحة، حوّلا الحلول إلى مشاكل. وهذا ما يحصد نتائجة اليوم 30 ألف معلم ومعلمة في التعليم الرسمي الاساسي، ونحو 420 ألف تلميذ يشكلون 37 في المئة من مجمل عدد التلامذة في لبنان.

 

العودة المستحيلة

 

“النية باطلاق العام الدراسي موجودة”، تقول رئيسة اللجنة الفاعلة للاساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي الاساسي نسرين شاهين. لكن العودة مرهونة بالقرارات التي ستتخذها وزارة التربية، ومن خلفها الحكومة من جهة، وقدرتهما على تطبيق المقررات على ارض الواقع بشكل شفاف وعادل ومنظم من جهة ثانية”.

 

عدا عن كون الوزارة لم تبدأ إلا مؤخراً بالتواصل مع الدول المانحة والتفاوض مع الاساتذة على مطالبهم، فان “تجربة العام الماضي معها لم تكن مشجعة”، بحسب ما يفيد أفراد الهيئة التعلمية سواء كانوا في الملاك أو من المتعاقدين والمستعان بهم. فالمتعاقدون الذين يشكلون حوالى 70 في المئة من مجمل عدد الاساتذة في التعليم الرسمي الاساسي، لم يتقاضوا كامل مستحقاتهم المقرّة. فهناك رواتب فصل كامل ما زالت لغاية اللحظة في ذمة الدولة. وحرموا من بدل النقل المخصص لهم، مع العلم أنه أقرّ في شباط الفائت بمرسوم من الحكومة. كما أن أجرة الساعة التي رفعت من 20 ألف ليرة إلى 40 الفاً، لم تعد كافية في ظل الارتفاع الهائل بسعر صرف الدولار. إذ أن قيمتها أصبحت تعادل 1.1 دولار، مرشحة للانخفاض أكثر مع كل ارتفاع في سعر الصرف، وذلك بعدما كانت 13.3 دولاراً في أعوام ما قبل الازمة. أما المساعدات الاجتماعية المؤمنة من الدول المانحة بقيمة 37 مليون دولار، وبمقدار 90 دولاراً للاستاذ، فلا تدفع بانتظام، ونحو ثلث أفراد الهيئة التعليمية لم يستفيدوا منها. والاخطر أنه لم يصَر إلى تسديد المستحقات للاساتذة المتعاقدين بشكل شهري، بل قسمت المدفوعات على 3 فصول. الامر الذي أفقد الرواتب قيمتها الشرائية في ظل استمرار التضخم وارتفاع سعر صرف الدولار.

 

من جهتهم يظهر أن الاساتذة في الملاك ليسوا أفضل حالاً، فالمساعدة الاجتماعية التي يتقاضونها بشكل متقطع وغير منتظم لا تتجاوز 40 دولاراً، ومستحقاتهم من بدل النقل متوقفة منذ شباط الفائت. وعليه ما كان يصح العام الماضي لجهة القبول بنصف راتب إضافي على الاجر الشهري، لم يعد يصح هذا العام حتى مع الوعد باعطاء راتب كامل. حيث رفع قسم منهم مع المتعاقدين سقف المطالب إلى ضرورة احتساب رواتبهم على أساس 8000 ليرة.

 

كلفة النقل تستنزف الرواتب

 

يظهر مسح جديد حول تأثير الأزمة على القطاع التعليمي في لبنان، صادر عن “مركز الدراسات اللبنانية” أن متوسط الدخل الشهري للمعلم(ة) يبلغ 131 دولاراً، في حين أنّ تكاليف النقل الشهرية تبلغ 128 دولاراً، فلا يتبقى له سوى 3 دولارات لتلبية احتياجاته طوال الشهر. بالتالي، دفع هذا الوضع 66 في المئة من المعلمين والمعلمات للعمل في وظيفة ثانية من أجل تغطية نفقات معيشتهم. كما أجبرت تكاليف النقل المرتفعة 60 في المئة من المعلمين والمعلمات على التغيب عن أيام التدريس في المدرسة. ونتيجة لذلك، واجه 20 في المئة منهم إجراءات تأديبية عن الغياب وحُرموا من التعويض الإضافي البالغ 90 دولاراً. وقد أثرت هذه الصعوبات سلباً على حماسة المعلمين والمعلمات للعمل وعلى سلامتهم النفسية، كما أدّت إلى تدهور علاقتهم بإدارات مدارسهم.

 

إنطلاق مؤجل للعام الدراسي

 

أمام كل هذه التحديات التي لا يُعمل بشكل جدي على تذليلها، يظهر أن التوجس من عدم انطلاق العام الدراسي حقيقي. فلا أحد مستعد من الاساتذة، أقله بالنسبة للمتعاقدين، أن يغامر هذا العام بالرضوخ للوعود، من دون التيقن إن كانت ستتحول إلى حقيقة. وهذا ما دفع بوزارة التربية إلى تأجيل التسجيل للعام الدراسي الحالي من 5 إلى 15 أيلول، على أن تفتح المدارس أبوابها في 3 تشرين الاول. إلا أن المشكلة بحسب شاهين تتمثل بعدم تنفيذ الخطط الخمسية وغير الخمسية التي وضعت في الآونة الاخيرة. والتي اقتصرت الغاية منها برأيها على اسماع الجهات المانحة الكلمات الرنانة لنيل المساعدات المادية. ومع هذا تأتي المساعدات ناقصة وتوزع بطريقة غير شفافة. وبحسب شاهين فان “تحقيق الغاية من المساعدات يفترض توزيعها مباشرة إلى الاساتذة من قبل الجهات والصناديق المانحة عبر شركات تحويل الاموال وليس عبر اجهزة الدولة الرسمية التي انعدمت الثقة بها. وذلك على غرار ما حصل في المساعدة التي تلقاها الاساتذة لتنفيذهم الامتحانات الرسمية.

 

المدارس غير مجهزة

 

التسليم بامكانية تأمين متطلبات الاساتذة كما يشتهون قد لا يعني انطلاق العام الدراسي. فصناديق المدارس الرسمية، البالغ عددها حوالى 1200 مدرسة، فارغة، وهي تعاني من عجز هائل عن تأمين الاكلاف التشغيلية من كهرباء ومازوت للتدفئة وبقية المتطلبات اللوجستية من أوراق وقرطاسية ومحابر وخلافه. وكل ما تحصل عليه هو تحويلات بقيمة 20 إلى 25 مليون ليرة شهرياً لا تكفي لشراء نصف طن مازوت. فما بالك بالانارة وبقية التجهيزات الضرورية.

 

الإصلاحات أولاً

 

فشل الجهات المعنية في الاستجابة للأزمة بشكل مناسب أدى بحسب المسح الآنف الذكر إلى يأس الكثير من المعلمين والمعلمات، حيث يخطط 73 في المئة منهم لمغادرة القطاع التعليمي. وعلى الرغم من العلاوة المعطاة بقيمة 90 دولاراً للتعويض عن انخفاض قيمة الرواتب فقد وصف 86 في المئة من الاساتذة أداء الوزارة بالضعيف. وعليه فان مساعدات الدول المانحة لن تكون فعالة إن لم تشترط بوجود هيكلية ونظام واضح لإدارة المنح وميزانيات المشاريع وتوفير تدقيق مالي للمساءلة والشفافية. إلى جانب إصدار تقارير حول النتائج المحققة من المشاريع ومشاركتها بشفافية مع المجتمع التربوي والمدني. ولعل الاهم تطبيق الاصلاحات على صعيد السياستين المالية والنقدية والذي يؤدي إلى حل مشكلة رواتب القطاع العام تلقائياً ويعيد الاقتصاد إلى سكة التعافي والنمو.

 

المسؤولون “يأكلون حصرم” تغييب الاصلاحات، والتلاميذ “يضرسون”، حيث يظهر أن مستقبل أطفال لبنان ممن يعجزون عن تحمل أكلاف التعليم الخاص مهدد بالتدمير. فلغاية الامس القريب ترك 10 في المئة من التلاميذ المدارس، و15 في المئة اضطروا إلى إعادة صفوفهم. وهذه أرقام خطيرة وتنذر بالاسوأ. فهل من يتحرك؟!