IMLebanon

إضراب القطاع العام والحلول الوهمية

 

 

يدخل إضراب موظفي القطاع العام أسبوعه الثالث وما من حلحلة في الأفق. شلل تام يلف الإدارات، والخدمات العامة متوقفة بالكامل. كل “الحلول” المطروحة ليست أكثر من ترقيعات، تندرج ضمن سياسات “لحس المبرد” والهروب إلى الأمام التي أصبحت ماركة مسجلة لنظام التعطيل. منها مثلاً مقترح احتساب رواتب الموظفين على دولار 8000. سعر صرف جديد يضاف إلى سلة أسعار الصرف.

 

كلها حلول غير مستدامة، تستنفد مفاعيلها لحظة الإعلان عنها، لما تسببه من تضخم. والسبب أن هذه التدابير تمول إما عبر طبع الليرة أو عبر ما تبقى من إحتياطي مصرف لبنان. وكل منهما يشكل عاملاً ضاغطاً على العملة الوطنية. كما وقد تُقدم الحكومة، إن تشكلت، على زيادة بعض الرسوم، مثل الرسم الجمركي العتيد، تحت ذريعة تمويل زيادة الرواتب. لهذا التدبير أيضاً، والذي قد يمرر من دون إقرار قانون، آثار تضخمية، لا بل تدميرية على المواطن وعلى الإقتصاد.

 

لا أحد يشك للحظة في ضرورة زيادة رواتب العاملين في القطاع العام. رواتبهم لا تكفي بدل نقل لأسبوع واحد. لكن المسألة المطروحة ليست في أحقية هذه الزيادة، إنما في كيفية تمويلها، كي لا تكون زيادة صورية، الغرض منها إيهام مستحقيها انهم حصلوا على حقوقهم، إنما زيادة فعلية، تساهم في تحسين أحوالهم وتحسين قدرتهم الشرائية.

 

لنقلها بصريح العبارة، تمويل القطاع العام لا يمكن أن يتحقق بشكل فعلي ومستدام إلا عبر الإنتاج وليس على حسابه. فالمطلوب إدارة وخدمات وزارية تساهم في رفع الإنتاجية، بمعنى آخر تغذي الإقتصاد وتتغذى منه.

 

أزمة القطاع العام هي مشكلة هيكلية بامتياز تكمن أولاً في حجمه الذي فاق كل المقاييس العالمية حتى بات عبئاً على الإقتصاد، وبالتالي على لقمة عيش المواطنين. والواقع أن تضخم القطاع العام سبق التضخم المالي الذي نعيش لا بل كان احد اسبابه الرئيسية.

 

الموجع في الأمر أن الصالح “ذهب في ضهر الطالح”، والعاملين المستحقين في القطاع العام، وهم ليسوا قلة، كانوا أولى ضحايا السياسة الزبائنية والتوظيف السياسي اللذين أرهقا الخزينة وحملا الإدارة أكثر من حاجتها واكثر من قدرة الإقتصاد على التحمّل. أما النتيجة الحتمية فكانت رزوح المركب بحمولته الزائدة وغرقه بمن فيه.

 

أي حل جدي لإنقاذ القطاع العام لا بد أن يمر بتقليص حجمه، ومن ثم تحديثه وإعادة تأهيله على كافة المستويات، لكي يتماشى مع حجم الإقتصاد؛ ينمو معه ويتطور معه، في علاقة تفاعلية تكاملية. وقد تكون الدولة القدوة في هذا المجال دولة سنغافورة، هناك مثلاً رواتب القطاع العام تضاهي لا بل تفوق رواتب القطاع الخاص. السبب بسيط هو أن القطاع العام عبر خدماته وإنتاجيته يشكل قاطرة للإقتصاد ويساهم في تعزيز الميزات التفاضلية للدولة الصغيرة القيمة على اقتصاد كبير.

 

نستحضر مثال سنغافورة، لأن من حقنا أن نحلم. حتى في ظل الإنهيار، علينا أن نحلم، كي لا نعيد تجربة نظام المحاصصة الذي حوّل القطاع العام إلى إقطاع عام.