IMLebanon

رفيق الحريري بيروت … عاصمة احرار لبنان

عرف اللبنانيون خلال مسيرتهم المعقدة والطويلة الكثير من القسوة والقهر على المستوى الاقتصادي والمعيشي والامني والاجتماعي والسياسي، وعرفوا ايضا تحديات وجودية عميقة على مستوى الهوية والكيان، وتاثر لبنان بكل التقلبات السياسية الوطنية والقومية والطائفية والايديولوجية والاستيطانية في دول المنطقة العربية والاقليمية والحروب العالمية الساخنة والباردة، والتي جعلت من لبنان ساحة لاختبار افكارها وادواتها، وحولت الذاكرة اللبنانية الى متحف متحرك للتحولات المجتمعية في المنطقة على مدى ما يقارب المائتي عام حيث اجتمعت كل اسباب وعناصر تلك المتغيرات في المكونات اللبنانية.

تحول لبنان الى مختبر الحرب والسلام في المنطقة حتى اصبحت تلك الاختبارات تتحكم بمشاعر اللبنانيين وتعبث في استقرار وعيهم ووجودهم وتحولهم الى فئران بيضاء لا تعرف كيف تميز بين السعادة والبؤس ولا بين الخطأ و الصواب وذلك نتيجة الجريمة الوجودية الكبرى التي تعرض لها الانسان في لبنان على مدى عشرات السنوات ولا يزال يعيش تفاعلاتها بالكثير من الخوف والريبة وهو يشاهد تكرار تلك الاختبارات بالشعوب العربية من فلسطين الى سوريا الى العراق الى اليمن الى العديد من مجتمعات الربيع العربي .

تحمل اللبنانيون مرارات تجارب العبث بهويات مجتمعات بلاد الشام التي تشكل تجربة انسانية رائدة في تفاعل الحضارات والاديان واللغات والمذاهب والاعراق، والتي ولدت هويات جديدة عبرت عن ذاتها بكافة مجالات الابداع الفكري والعمراني والفنون والموسيقى والشعر وتجاوز الجمود الفكري والديني والقومي وكان لبنان منبرها ومنارتها و فندقها ومطبعتها ومدرستها وجامعتها ومشفاها واحتضنت شوارع بيروت رايات الحرية والتعبير عن الذات بالتظاهرات ومظاهر التحرر والانفتاح قبل ان تتحول الى خطوط تماس في صراع الاخوة الاعداء .

تحول لبنان على مدى عقود طوال الى مكب لحطام الفشل الوطني والقومي والاممي والايديولوجي حيث أصبح تراكم التجارب الفاشلة يعيق المسار نحو المستقبل الامن لكل المكونات في لبنان المحكومة بهواجس الماضي المليء بالقتل والدمار والاحتلالات الذين حاولوا تحويل اللبنانيين الى قطعان من الرق السياسي يسهل استتباعهم والاستمتاع بآلامهم، بعد ان تغلبت ثقافة الربح على ثقافة النجاح واصبح مصير كل الناجحين من ابناء لبنان الاغتيال او الاقتلاع، اما رواد الربح عبر الفساد وسرقة مدخرات الناس فتنعموا بوهج السلطة ومغانمها عبر ديموقراطية الاستبداد الطائفي بالقهر او بالدولار .

عرف لبنان على مر الاجيال نخب وطنية من ابنائه قاومت ويلات الاختبارات وعرفت كيف تستولد الفرص من الازمات وان تصنع قصص تفوق ونجاح اذهلت الكبار والصغار، واستطاعت تلك النخب ان تعيد اضاءة الشموع حين تسود لعنة الظلام، ونجحت في مواجهة الحقد والاستتباع وقاومت محاولات التجهيل والتشريد وذبح الابرياء على الطرقات واعادت اعمار ما تهدم واستقطبت كل عشاق الحرية والعيش بسلام، وكان آخر هؤلاء رفيق الحريري الذي يتعرض لعملية اغتيال متواصلة منذ سبعة عشرة عاما، واخر حلقاتها كانت قبل ايام عبر الهجوم الوحشي على رواد المقاهي والمطاعم (ام شريف) وجوارها آخر ما تبقى من وسط بيروت الذي يتعرض لتعطيل ممنهج وذلك من اجل العودة الى الخواء والظلام وخطوط التماس واستكمال الشراكات المتعددة الاطراف باغتيال رفيق الحريري وكل ذلك لإنه اعاد الحياة الى قلب بيروت …عاصمة احرار لبنان.