IMLebanon

المصالحة في زمن الخلاف!

 

 

لا تزال المراوحة السياسية تخيّم على ملف تشكيل الحكومة بعد التصعيد المفاجئ والمقصود لأمين عام حزب الله في خطابه الأخير، والذي رفع فيه سقف المطلب مع التهويل بإمكانية المزيد من الرفع كحق مكتسب للحزب «الذي تواضع في ما مضى وهو من حقه أن يطلب أكثر بكثير»، معيداً ولادة الحكومة إلى رحم أزمة مستمرة ومفتوحة إذا ما فشلت محاولات تدوير الزوايا التي يقوم بها الوزير باسيل مع الرئيس بري. وعلى الرغم من أن المؤتمر الصحفي الذي ردّ فيه الرئيس الحريري على الخطاب الناري لم يكن أقل حدة، بل وضع بعض النقاط على الحروف، إلا أن الطرفين كانا قد تركا أبواب الحلول غير موصدة عبر تمسك السيد نصر الله بالرئيس الحريري كرئيس للوزراء «وقبول الحزب بما يتوافق عليه النواب السُنّة الستة» من جهة، وتفويض الرئيس الحريري للرئيس عون لإيجاد المخرج الملائم للأزمة وقبوله بحزب الله شريكاً في الحكومة على الرغم من الضغوطات الخارجية من جهة أخرى. إلا ان الخطابين قد أظهرا للرأي العام اللبناني مدى سهولة التصعيد والمضي بقرار التعطيل إذا ما وجد، وأن الاستقرار والتوافق المزمع عبر حكومة الوحدة الوطنية سيبقى هشاً إذا ما ظل مبنياً على تفاهمات آنية ورهينة أجندات خارجية تمسك بزمام الأمن والاقتصاد في الوطن الصغير.

إن الانهيار الاقتصادي الذي ينذر به القاصي والداني والذي سيؤدي إلى كارثة اجتماعية حقيقية في حال وقوعه، علماً أن لبنان ليس تحت وطأة تأمين الحد الأدنى من الخدمات الحيوية والأساسية لمواطنيه فحسب، بل إلى ما يناهز المليوني نازح الذين لا تزال عودتهم أمام علامة استفهام كبيرة، لا يمكن تلافيها إلا عبر خطة واضحة تشمل مختلف القطاعات المعنية، والتي سيكون وزراؤها من مختلف التيارات والانتماءات، وإذا ما بقيت سياسة الكيدية والتعطيل، فلن تستطيع الحكومة المقبلة التقدم قيد أنملة، بل ستنعكس سلبية أدائها توتراً في الشارع الذي سرعان ما يمكن أن يتحوّل إلى ساحة مفتوحة أمام الفتن والفوضى.

لقد اختبر اللبنانيون على مدى سنوات طويلة مظلمة سهولة التدمير والقتل ونشر الفتن مقابل مشقة الخروج منها وإيجاد المساحة المشتركة لفتح حوار مع الآخر، سهولة صَم الآذان وغض الطرف عن مخاطر تعظيم الخلافات وتعميق الهوة وسرعة انتشارها كالنار في الهشيم مقابل معاناة فتح قنوات التواصل ورأب الصدع بين الشركاء في الوطن، ومع ذلك لا تزال الحسابات الخاصة تطغى على مواقف الكثيرين، ويستيقظ اللبنانيون كل يوم ليجدوا أنفسهم على مفترق طريق، إما التصعيد أو تدوير الزوايا، حيث مصير البلاد والعباد بات بيد مجموعة تتحكم به حسب الأهواء الداخلية حيناً والخارجية أحياناً.

إن المصالحة التاريخية التي رعتها بكركي أمس الأول بين «القوات» و«المردة» لم تكن سهلة، ولكنها أثبتت أنه عندما تكون النوايا حقيقية والقيادة جدّية في تجنيب القاعدة المزيد من الانقسامات يمكن عندها طيّ أربعة عقود من العداء الدموي، وعندها يصبح السؤال مشروعاً عن حقيقة ما يؤخر تأليف حكومة بين أطراف يعلنون تمسكهم بالشراكة من جهة، وما الذي يعيق قيام حكومة تكنوقراط في حال تعثر التوافق السياسي من جهة أخرى، إذا ما صدقت النوايا بتجنيب لبنان الانهيار الوشيك، ومن سيعارض تشكيل حكومة يكون همّها الأول النهوض بالقطاعات الحيوية التي فقدت الثقة بها والتي أساء إدارتها القيّمون عليها على مدى سنوات فباتت تهدد ثقة المواطن بقدرة الدولة وهيبتها داخلياً، وثقة المجتمع الدولي بنزاهة الطبقة السياسية، التي فاحت رائحة فسادها إلى الخارج، وعن جدوى بل صوابية الاستمرار بالمساعدات المنهوبة والمصروفة بعبثية مقصودة.

إن إنقاذ البلد يتطلب الكثير من الشجاعة والتضحية لترجمة الشراكة إلى ممارسة وليس شعارات يحتمى بها عند الشدائد، والحوار يتطلب الكثير من الحكمة لتجاوز الخلافات ومناقشة الاختلافات وليس تعميقها، والحفاظ على الوطن ودستوره يتطلب الكثير من التعالي عن الحسابات الخاصة وليس التهديد والوعيد ومحاولة الهيمنة على القرارات، فهل تتمتع الطبقة السياسية حالياً بهذه الصفات ليس للخروج من المأزق الحكومي وحسب، بل من الانهيار الاقتصادي القادم مهما استمر البعض بصم آذانه عن وجع المواطن واعتبرها طريق جلجلة للخلاص على طريقته، وهل تنسحب حكمة وشجاعة القوات والمردة على سائر الطبقة السياسية لتعيدها إلى طاولة حوار حقيقية تجنب الوطن الصغير فواتير باهظة هو أضعف من أن يكون قادراً على سدادها، أم أن حسابات الداخل لم تتطابق مع بيدر الخارج بعد والطريق لا زال في بداياته؟