IMLebanon

المصالحة: بإنتظار الخفايا والخبايا

 

مما لا شك فيه، أن البلاد قد مرّت بقطوعات شديدة العواصف والعواقب، دفعت بالوطن كله وفي الطليعة مسؤوليه، إلى فرملة الإنحدار السريع نحو ما كان يمكن أن يتطور إلى حرب أهلية متجددة بتحدياتها وأضرارها وعواقبها المخيفة. ومما لا شك فيه أن المسؤولين الممانعين قد تلمّسوا خطورة التطورات، وتراجع بعضهم عن رفضه للقيام بدور شيخ العشيرة القائم بمهمة إحقاق الصلح والمهادنة، إلى الإنقلاب المفاجىء، في ليلة ليلاء تكتلت فيها المساعي والجهود الداخلية والخارجية مما دفع بالجميع دون استثناء إلى تحقيق اجتماع «مجمل العشائر» في قصر بعبدا، حيث توصلوا بدفع وإصرار وتصميم من الرئيس نبيه بري إلى ذلك القرار الإجماعي الحكيم الذي أدى إلى تبريد الأوضاع وتحقيق المصالحة، مما مكّن رئيس الوزراء من السفر آمناً مطمئناً إلى الولايات المتحدة، حيث أجرى فيها سلسلة من اللقاءات والإتصالات ومن بينها لقاء مع نائب رئيس الولايات المتحدة ومع وزير خارجيتها، وقد تكللت هذه الزيارة بجملة من التصريحات والمواقف للرئيس الحريري، لئن لم تتوصل إلى تبييض صفحة حزب الله لدى الولايات المتحدة، فهي على الأقل، قد أزكت الجهود الآيلة إلى الفصل ما بين نهج وتصرف الحزب واستقلاليتها عن الدولة اللبنانية سواء في الزوايا الأمنية والإدارية أم في المواضيع الإقتصادية التي أوصلتها تطورات الأحداث إلى حدود شديدة التدهور، وبالغة الخطورة.

 

وهنا لا بد لنا من التوقف أمام المهرجان الحاشد الذي أقامه حزب الله مؤخرا، وكرر فيه السيد حسن معظم مواقفه السابقة وفي طليعتها، التلاحم الوثيق والمستمر بين المقاومة ولواحقها في لبنان وفي المحيط العربي، وفي طليعة ما تم تكراره، ذلك التصريح الواضح وشديد التلاحم مع إيران ولواحقها الثورية والمؤكد على قرار الحزب في حال اذا ما تطورت الأوضاع شديدة الإلتهاب والمتفاقمة على الصعد الأمنية وضغوطاتها على الصعد الإقتصادية، وصولا في ذلك إلى تكرار التأكيد بأن هذه الحرب في حال حصولها وتطورها عسكرياً على الأرض اللبنانية فإن سلاح المقاومة سيشارك فيها مشاركة صاروخية واشتباكية كاسحة ستؤدي «وفقا للتصريح» إلى تدمير معظم معالم إسرائيل. ولم تكن مجرد مصادفة ما بين تواجه المواقف والتصريحات على الأرض اللبنانية وعلى الأرض الأميركية وما بين اندفاعات السيد حسن، ومحاولات التلطيف ولملمة الأوضاع التصاعدية المنطلقة من الضاحية الجنوبية، بالقدر الذي يؤدي إلى حماية الارض اللبنانية والمواطنين اللبنانيين من أخطار حروب إيران والمصالح الإيرانية، وثمنها الأساسي بالغ الكلفة الذي قد تدفعه مواقع بديلة منتشرة على الأرض العربية وفي مقدمتها لبنان.

 

إشارة لا بد منها متعلقة بتصريحات الرئيس عون بخصوص الاستراتيجية الدفاعية، وهي تصريحات لم تلق تفهما وتجاوبا لدى غالبية اللبنانيين، الأمر الذي جرت محاولة لتدارك سلبياته من خلال تصريح توضيحي لم يؤدِّ إلى نتائج إيضاحية تعيد الأمور إلى نصابها واللبنانيين إلى آمال تصحيح الأوضاع وإعادتها إلى إطارها الحواري وإلى الإلتزامات السابقة بصدده، سواء على المستوى الداخلي أم على مستوى الإلتزامات المرتبطة بالوضع الإقتصادي المتدهور والمتطلبات الإقتصادية الدولية الناتجة عن مقررات سيدر.

 

مصالحة: كان في طليعة من فرضها وأدّى إلى تحقيقها حزب الله نفسه، صاحب الكلمة الفصل واليد الطائلة والقادرة والفارضة في كل المجالات والمواقع، وذلك تحسّبا وتخوفا من فلتان الاوضاع في لبنان إلى درجة لا يمكن التحكم بمفاصلها ونتائجها وحصول دمار شامل وتشريد وتبعثر سكاني في مختلف المناطق، وذلك نتيجة لأية أحداث ساخنة قد تنشأ بسبب تطور الأوضاع إلى ما لا تحمد عقباه. ومنذ حصول هذه المصالحة، وهناك من يتردد ويتمرد ويعمد إلى تصرفات مؤكدة على تحفظه تجاهها تحفظا يصل إلى حدود التموضع الرافض وفي طليعة هذه المواقف امتناع وزير الخارجية عن حضور جلسة المصالحة في بعبدا ولجوئه غير المعتاد في تصرفاته الحافلة بشتى أنواع الإستفزازات الحادة إلى حال من الصمت السلبي والإمتناع عن التصريح، بما فسره كثيرون بمعاني الرفض والتهيؤ لمرحلة جديدة سواء في مجلس الوزراء المقبل باندفاعة متحمسة إلى العمل والإنطلاق لمواقع انتشال الدولة من حالات الأخطار والإنهيار التي تشتد مداهمتها للوضع اللبناني في شتى مجالات الحياة والأمن والإقتصاد، سريعا ما ستظهر النتائج الحقيقية لهذه المصالحة في المرحلة المقبلة وستتبدى وتتجلى جملة من المواقف والتصرفات في مجلس الوزراء أم في مجلس النواب أم في مجمل مواقع الحياة العامة، خاصة منها ما تعلق بكثير من الفئات الشعبية بما فيه المنتمي منها إلى التيار الوطني الحر، الذي بات يلمس إلى حدود متجددة مدى المخاطر التي باتت تحيط بلبنان وبالمنطقة نتيجة للتمدّد الإيراني الحاصل في كثير من أنحائها ونتيجة للتصميم الاميركي على إلحاق عقوبات تطاول لبنانيين من ذوي الإرتباط بحزب الله سواء كان ارتباطا عقائديا أم عسكريا أم إقتصاديا، الأمر الذي بات يدخل في حنايا أصحاب المنافع المنتمين إلى كل الجهات والفئات التي دفعت بها مصالحها إلى التموضع في جبهات باتت في إطار الإستهدافات الأميركية. وستكون عيوننا موجهة بعد الآن إلى جلسات مجلس الوزراء المقبلة وإلى مواقف جميع الفرقاء وتصرفاتهم على طاولة المجلس وفي تصريحاتهم العامة والخاصة، وستكون مرحلة السماح المتجددة التي استحصل عليها الرئيس الحريري في زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، قد أخذت مداها دون أن تكون قد قوبلت بالإلغاء أو التخفيف، ذلك أن الصراع الأميركي الإيراني ما زال في عز غليانه، وأن ما نلاحظه في مسيرته الحالية هو مجرد مراحل، تفور تارة وتهمد تارة، وقانا الله من كل التطورات السلبية، الخافي منها والمعلن.