الدولة تراعي و”حزب الله” لا يرعوي. جاء في كلام نعيم قاسم السبت المنصرم أن تسليم السلاح سيؤدي إلى “حوادث قتل وخطف أينما كان”. وهكذا كشف أن “الحرب الأهلية” التي هدد بها زميله محمود قماطي، ستكون “حرب عصابات”. ومن توصيفات العصابات خروجها على الشرعية الوطنية والقانون الدولي، وبالتالي وضع الشيخ نعيم الدولة اللبنانية وإسرائيل في صف واحد، ولكن سلاح القتل والخطف لن يُستعمل إلا ضد اللبنانيين، بعدما أثبت “سلاح المقاومة” عجزه أمام إسرائيل. وهذا شأن كل الجماعات ذات الأيديولوجيا المقفلة، التي تتجه إلى الانتحار كخيار وحيد لوقف اندفاع الأحداث في محاولة يائسة لتأبيد معادلات الماضي.
السؤال كيف ستتعاطى الدولة من الآن فصاعدًا مع جماعة مسلحة تناصب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة العداء وتريد بشتى الوسائل تخريب جهودهما لقيام الدولة؟ لقد حاولت الدولة أن تقنع نفسها بأنها قادرة على جلب “الحزب” إلى المنطق، وأن دوره محفوظ في العملية السياسية التي نشأت بعد خسارته رهاناته العسكرية ومقامراته الإقليمية.
بعد كل المحاولات الصادقة من قبل الدولة، تبين أن “الحزب” حوَّل تلك المهلة إلى تصعيد تدريجي لنسف كل الجسور مع الجميع. رغم كل التغييرات الخارجية البادية للعيان يصب “الحزب” غضبه على شخص وزير الخارجية الناطق الشرعي باسم سياسة لبنان الخارجية، كما وردت في خطاب القسم والبيان الوزاري. إصراره على بقاء وزيريه في الحكومة تحوّل من حق التمثيل إلى مغنم في عملية “النهب السياسي” يضاف إلى مصلحة الدويلة على حساب الدولة. وسياسة المراعاة إذا استمرت ستأكل من رصيد الدولة داخليًا وخارجيًا.
يقول انتهت مراحل “حصر السلاح”، ويريد من الدولة أن تموِّل ما دمره وأن تبدأ ورشة البناء بينما أرض الجنوب لا تزال تعاني الهزات الارتدادية ومعرضة لزلزال محتمل. عندما يُقابل منطق الدولة بالمنطق العبثي، وعندما يسود الصمت تكون الدولة هي الخاسرة. وعندما تشق عبارة “الطائفة الجريحة” طريقها إلى الإعلام يجب أن يُحدد من أثخنها بالجروح؟ إسرائيل وحدها؟ بسبب “حرب الإسناد” ضُربت “البيئة” من بيت أبيها، بسبب الخيارات الحمقاء، بينما كل “البيئات” الأخرى احتضنت آلاف النازحين بما يمليه الواجبان الوطني والأخلاقي.
الهوس الانتحاري يدل إلى أن هذا الاحتضان تمنى “الحزب” لو لم يكن، لأنه بلسم جروحًا لطائفة يُراد أن تبقى جريحة ليستمر المصير “الكربلائي” الذي يركض “الحزب” إليه هربًا من كل مبادرات فتح الأذرع والتلاقي.
في أول جلسة مقبلة لمجلس الوزراء، هل من مواقف واضحة مما قاله نعيم قاسم، غير التذكير بخطاب القسم والبيان الوزاري؟ كيف نحصن الجيش عندما سيعرض في 5 شباط المقبل خططه لما بعد جنوب الليطاني؟ المسألة ليست لوجستية فقط. “الجماعة المسلحة” لم تتعاون في “جنوب الليطاني” فكيف بما يليه؟
عندما سلمت “القوات اللبنانية” سلاحها أوائل التسعينات، لم تكن إمكانات الجيش اللبناني بأفضل، وكان يلملم شتاته، ورغم ذلك، لأن القرار السياسي عند “القوات” كان واضحًا وصادقًا، حصلت العملية بسلاسة وبسرعة. لو وجد حد أدنى من قرار إيجابي عند “الحزب”، لتمكنت شركة نقل خاصة بالتعاون مع الجيش من طوي ملف السلاح في كل لبنان. لكن القرار المعلن هو “حرب عصابات” ضد الدولة، يُشار إليها زورًا بـ “حرب أهلية”.