IMLebanon

أخطار تواجه الإقتصاد العالمي

 

يبدو أنّ الاقتصاد العالمي على مفترق طرق في ظلّ الصورة الاقتصادية القاتمة والتي تهيمن على الاقتصاد العالمي، وبخلاف فترات أخرى من العقود لا بدّ من القول إنها فترة من عدم اليقين للقوى العالمية والإقليمية.

 

في ظل الحمائية والنزاعات الإقليمية الرئيسة والإرهاب وارتفاع الجريمة الإلكترونية وحتى التهديد بحروب نووية- لابد من القول إنّ كل ذلك يحدث واميركا قد تخلّت عن مسؤلياتها جزئياً في ظل ما يتبعه دونالد ترامب من سياسات حمائية وعدائية تجاه الحلفاء والأعداء.

 

لذلك نرى عدداً من المخاطر، جذورُها في الولايات المتحدة والصين والإتّحاد الاوروبي. غير انّ هذه المخاطر لا تقتصر فقط على الجغرافيا انما تتعدّاها لتشمل اقتصادات العالم كله والحروب التجارية القائمة بينهم.

 

لذلك أيضاً نرى الصورة العالمية مشوّشة بعض الشيء والاقتصادات العالمية تمرّ حالياً في مرحلة جديدة، حيث إنّ المصارف المركزية بدأت بتقليص سياساتها النقدية في غياب ايّ مؤشرِ نموّ متوازٍ ما يؤدّي الى قدر كبير من عدم اليقين.

 

ووسط هذه السناريوهات يهمنا اساساً الانسحاب الاميركي من منظمة التجارة الحرة في شمال اميركا (Nafta) والتدابير التقييدية التي اتّخذتها الولايات المتحدة ضد الصين والتي تحرّض على حرب تجارية وزيادة مشاعر الحمائية في اماكن اخرى من العالم، ما جعل من الصعب على البلدان والمناطق مثل الاتحاد الاوروبي واليابان التحرك نحو جدول اعمال لتجارة أكثر تحرّراً- وهذا الانجرار في الحمائية له انعكاساته التي تتجاوز نطاق اميركا الشمالية والصين لا سيما انّ الاسعار والبضائع في الاسواق العالمية سوف تتأثر، ما يعني دون أدني شك أنّ النموّ سيتراجع مع تراجع الإنفاق والاستثمار.

 

هذا مع العلم انّ البيانات الاقتصادية في اجزاء كثيرة من العالم بما فيها اوروبا وعدد من الاسواق الناشئة كانت تمهّد الطريق لعامي 2018-2019 عنوانه النموّ، إنما يبدو الامر عكس ذلك مع توقعات تباطؤ النموّ في الصين وأوروبا، كذلك في الهند. لكن وعلى ما يبدو انّ نسبة النموّ ستبقى 4 في المئة وسيكون ذلك اعلى مستوى لها منذ العام 2010.

 

هذا على الصعيد العالمي، اما على الصعيد الإقليمي فإنّ الصراعات بالوكالة تتنامى بين المملكة العربية السعودية وايران ما يعني احتمال فشل اسواق الطاقة العالمية، وهذا التنافر يعود لعدة عقود لكنه تزايد في السنوات الأخيرة ويُنذر بخطر الصراع المباشر بين البلدين في السنوات المقبلة وفي ظلّ التجاذبات الحاصلة والتدخّل العسكري في اليمن، وعدم وضوح السياسة الأميركية في الشرق الاوسط، وزيادة العقوبات الاقتصادية على طهران ومقاطعة قطر، كلها امور تساعد على تشويش الصورة السياسية والجيوليتكية في المنطقة-

 

وفي اسوأ الحالات هذه المعارك بالوكالة قد تؤدّي الى صراع اوسع في منطقة الخليج ومن المحتمل أن تشنّها السعودية وأيران بشكل مباشر ضد بعضهما البعض وإغلاق مضيق هرمز وتعطيل الاسواق العالمية للنفط، ما يعني انقطاع الإمدادات من الخليج التي تترجم بارتفاع اسعار النفط وبالتالي ضرب آفاق النموّ في الاقتصاد العالمي، وقد يكون هذا السيناريو متشائماً لكنّ الصورة الإقليمية غير واضحة ومشوّشة لا سيما وأنه كما سبق وذكرنا يبدو أنّ أميركا و ما يهمها من الامر في المنطقة هو الإبقاء على اسعار النفط مستقرة والحدّ من تنامي التوسّع الايراني في المنطقة.

 

لذلك ومن الصين الى اوروبا ومنطقة الشرق الاوسط، من المرجّح أن يكون العام 2019 مرهقاً للأعصاب. والسؤال الذي يطرح نفسه على الاقتصاد العالمي ما هي اكبر المخاطر في العام 2019، لذلك خلال هذا العام والعام المقبل اكبر المخاطر الاقتصادية سوف تظهر في تلك المنطقة، حيث المستثمرون يعتقدون انه من غير المحتمل أن تتغيّر وضعية الامور والتي تشمل انتكاس النموّ في الصين وزيادة اسعار الفوائد الطويلة الأجل، والأهم القول إنّ مقدار تباطؤ الاقتصاد في الصين مسألة مفتوحة، ومصداقيّة المصارف المركزية حول العالم على المحك وأن ايّ انتكاسة في الصين ستصل الى بقية آسيا، كذلك الدول المصدّرة للسلع الأساسية والاقتصادات النامية والناشئة، ولا يمكن لأوروبا ولا سيما المانيا تفادي هكذا وضعية. وعلى الرغم من أنّ اميركا اقلّ اعتماداً على الصين فإنّ صدمة الاسواق المالية ستجعل التباطؤَ في الصين اشدّ ايلاماً ممّا يدركه القادة الاميركيون.

 

وقد تكون أكثر المخاطر صدمة وشدّة، أسعار الفائدة الطويلة الاجل والتي هي اقل من ايّ وقت خلال العصر الحديث باستثناء فترة القمع المالي بعد الحرب العالمية الثانية عندما كانت الاسواق اقل تطوراً ممّا هي عليه الآن.

 

واخيراً لا آخراً انفجار الشعبوية في معظم انحاء العالم والذي يمكن أن يُنبت الشك في الاسواق العالمية، ويمكن لخطر اسعار الفائدة والإفراط في الاعتماد على الديون، لا سيما في اليونان وايطاليا وارتفاع مستويات الديون التي تجعل من الصعب على الحكومات الرد بقوة على الصدمات وعدم القدرة على الرد بقوة على الازمات المالية أن يزيد من خطر الركود الطويل الاجل.

 

بالطبع هنالك الكثير من المخاطر الاخرى على النمو العالمي بما في ذلك تزايد الضغوط السياسية في الولايات المتحدة وايطاليا والـBrexit وتزايد التوترات الجيوبوليتكية. والسيناريو الاساسي يبقى قوة النموّ في الولايات المتحدة وتعافي اوروبا من ديونها مع نهاية العقد والاقتصاد الصيني والذي وعلى عكس ما توقعه الكثيرون ولسنوات عدة قد يتعافى ويثبت خطأ المشكّكين.

 

لذلك قد تكون سنة 2019 سنة نموٍّ متزايد على عكس ما نتوقعه ولكن والحقيقة انها سوف تكون سنة مرهقة للأعصاب حقاً. لذلك وحسب ما قاله Mark Twain: ليس ما لا تعرفه يعرّضك لمشكلات بل ما الذي تعتقد أنك تعرفه وهو ليس كذلك.