IMLebanon

روسيا تلجأ الى «أكرا» لمواجهة التصنيف الدولي

يبدو ان روسيا متغاضية عما وصلت اليه الامور مع مؤسسات التصنيف العالمية سيما موديز وستاندر اند بورز. وقد اتهمت روسيا الشركتين بالتسييس في عملية تصنيفها لروسيا وتدخلها في اوكرانيا مما يعني، ودائما وفق ما تؤكده موسكو، ان مؤسسات التصنيف العالمية مسيّسة.

اذا كانت دول العالم غير قادرة على مواجهة التصنيف المسيّس، يبدو ان روسيا بدأت، ومن خلال وزارة المال والبنك المركزي، الاستعانة بـ ACRA لاستبدال ما يُسمّى الثلاثة الكبار كمعيار لقياس جودة الائتمان والاستثمار.

وقد أعلن بنك روسيا عن خطة لبدء عمل شركة محصنة ضد «المخاطر الجيو سياسية» بعد ان شرعت S & P و Moody,s في تخفيض تصنيف روسيا الى مستويات «Junk» بسبب الاثر الاقتصادي للعقوبات المفروضة على اوكرانيا.

وفي الاسابيع التي تلت ضم القرم منذ سنتين، واجه الرئيس الروسي ورجال الاعمال العقوبات الاميركية، وقامت شركات التصنيف بسحب التغطية على تصنيفات البنوك مما ترك وزارة المال الروسية دون اي مرجع لتقييم مدى امان الودائع. هذا الواقع دفع روسيا الى التفتيش عن بديل للشركات الثلاث الكبرى، ويمكن ان يوفر الشفافية ويساعد المستثمرين في عمليات صنع القرار.

ولا بد من التذكير بأن اقتصاد روسيا واجه صعوبات كبيرة مع انخفاض اسعار النفط من اعلى مستوى له في العام ٢٠١٤ وهو ١٠٠ دولار للبرميل الى مستويات قليلة جدا مما أثرّ ولا شك على ايرادات الحكومة التي تعتمد اعتمادا كبيرا على النفط والغاز.

وانكمش اجمالي الناتج المحلي بنسبة ٤ في المائة وزادت الاسعار بنسبة ١٤ في المائة وتراجع الروبل امام الدولار بحدود العشرين بالمائة. ولكن هذا الانكماش تراجع نسبيا في الخريف مما دفع بالرئيس الروسي للقول وبفخر ان «ذروة الأزمة» قد مرت.

قلّصت الاضطرابات الأخيرة التي حدثت في السوق النفطية الآمال في تحقيق اي تقدم، ولكن من غير المحتمل ان تشهد روسيا تكرارا للمشاكل الحادة التي واجهتها اواخر عام ٢٠١٤.

لكن ورغم ذلك يبقى المشهد العالمي متأثرا والى حد بعيد بمؤسسات التصنيف الكبرى والتي وان نجحت في اعطاء فكرة عن تراجع الاقتصاد الروسي الا ان قراراتها تبقى والى حد بعيد مسيّسة وتتأثر بالأجواء السياسية العالمية وتبقى رهينة دولها.

لذلك كان لا بد من ان يردّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عليها بتسريع تنظيم وكالة تقدير درجة الجدارة الائتمانية وانشاء «أكرا» التي سوف تملكها ٢٧ شركة روسية من كبار الشركات المالية مع اعطاء كل المساهمين حصة مقدارها ٣،٧ بالمائة في محاولة للحد من خطر المساهمين و تأثيرهم على قراراتها. وسوف تكون برئاسة موفا ترافي التي انضمت الى Gazprombank في العام ٢٠١١.

وتخطط «أكرا» لتصنيف ٧٠ مصرفا وشركة في العام ٢٠١٦. هذا القرار بتسريع انشاء «أكرا» قد لا يؤثر على الصورة العالمية لروسيا انما سوف يساعد حكما الشركات والمستثمرين المحليين ويعيد الثقة ولو قليلا الى داخل الاسواق المالية الروسية.

انما يبقى ان اللاعب المحلي الجديد سوف يواجه صعوبات كبيرة في منافسة اللاعبين الكبار وانما قد يؤمن الشفافية ويساعد المستثمرين في عملية صنع القرار كما سبق و ذكرنا.

أما ما يساعد «أكرا» فهو عدم وجود اجندة سياسية لها وعندها ٢٣ محللا لديهم معرفة عميقة بالصناعات الروسية، وقد يراها المستثمرون الغربيون كمحاولة روسية للرد على الغرب حسب نامارا ماك.

هكذا نرى في هذه الخطوة محاولة للرد على الخارج، ومسعى داخلي لتأمين الاستمرارية في الاقتصاد الروسي ومحاولة لتخطي جملة عقبات كان آخرها تدني اسعار النفط الى مستويات قياسية مما اضعف الاقتصاد الروسي، والقاء اللوم على بوتين وفرض عقوبات جديدة على روسيا.

كذلك تهدف الخطوة الى خفض هروب الرساميل، ومواجهة تزايد التضخم والضغوط على الروبل مما اثر سلبا على احتياطي العملات الاجنبية والتي تراجعت الى ادنى مستوى لها منذ العام ٢٠٠٩، سيما وان الحكومة الروسية حاولت من خلالها الضغط للمحافظة على الروبل.

هكذا تأتي محاولة روسيا في انشاء مؤسسة تصنيف خاصة بها من جملة محاولات لفك عزلتها الدولية والتي عززتها حوادث اوكرانيا وضم القرم. كذلك قد تكون محاولة سياسية يحاول من خلالها بوتين تأمين اعادة انتخابه ويفسح في المجال امام الكرملين لاعادة تموضعه دوليا.

هذا لا يعني الغاء دور الثلاثة الكبار الذين سيواصلون نشر تصنيفات الديون السيادية لروسيا ويهيمنون على تصنيف الاصول الروسية الكبرى لكن محليًا فان وجود «أكرا» سوف يمهّد الطريق للهيمنة محليا، يساعدها في ذلك الدعم الكبير الذي تتلقاه من البنك المركزي الروسي.

تعتبر المهمة في المطلق صعبة سيما وان القانون الروسي الجديد والذي يصبح فاعلا في العام ٢٠١٧ ينصّ على ان فروع وكالات مثل موديز وستاندر اند بورز وفيتش لن تتمكن من سحب التصنيفات المحلية تحت ضغوط سياسية خارجية ويعني ان القانون الروسي لن يسمح لها بالالتزام الدولي بالعقوبات المحتملة ضد موسكو. وقد يكون هذا القانون وحسب Savatyugin ، النائب السابق لوزير المالية، قانون منناقض وغير عادل ويستحيل تنفيذه ووضعه تحت شعارات سياسية طارئة.

في المطلق «أكرا» شركة تصنيف محلية وجدت من اجل تسهيل اعمال المستثمرين المحليين دون غيرهم ولن يكون لها اي تأثير على المشهد العالمي او على مؤسسات التصنيف الثلاث الكبرى والتي استطاعت ولغاية الآن التموضع عالميا رغم ان تصنيفاتها لم تأت دائمًا كما هو الواقع او الحقيقة وآخرها فشلها كان عندما لم تستطع ان تستبق الأزمة المالية العالمية في العام ٢٠٠٨.

في ظل تراجع دور هذه المؤسسات في العملية المالية العالمية، يبقى القول ان «أكرا» لن تضيف شيئا، انما قد تكون موجودة لاسباب ليس لها علاقة لا بالاستثمار ولا بالتصنيف، بل بالسياسية من اجل حلّ أزمة طارئة.