IMLebanon

في تقديم سعيد عقل: صوت الأمّة اللبنانيّة الصافي عقيدةً وشعراً!

 

بمناسبة إحياء ذكرى سعيد عقل، عادت بنا الذاكرة الى أيام الدراسة في الجامعة اللبنانيّة في أواخر الخمسينات من القرن الماضي حيث كان سعيد عقل أحد أساتذتنا في اللغة العربية وآدابها. وكان من اهتماماته الأساسيّة صياغة شعر يستوحي البعد الصوتي للأحرف الهجائيّة الفينيقيّة الجبيليّة. وكان تعبيرها السهل في شعره في «موطن البلبل». من تلك الأجواء الشعريّة الجماليّة وجدت من المناسب أن استرجع الكلمة التي قدّمت بها الشاعر سعيد عقل في أمسيته الشعريّة في البترون خلال الأسبوع الثقافي في 10/4/1967 لعلّ في هذا التقديم بعض الضوء على المقوّمات الجماليّة التي طبعت مكانته الشعريّة. قلت:

 

من الصعب أن يقدم ناثر لشاعر: شعر سعيد عقل ستسمعون وهو مَن تعرفون. لكن سعيد عقل أثار من الجدل ما لم يُثره شاعر في العصر الحديث، فما منزلته؟ وما سرّ الإبداع في شعره؟ وأيّ يد له على حاضر لبنان ومستقبله على الصعيدين الفكري والقومي؟

 

في كلمة لـ ت. س. إليوت، الشاعر والناقد الانكليزي: «إن الأديب يعتبر كلاسيكياً في أمّته إذا كان خلاصة لمن جاء قبله ومتفرّعاً في من جاء بعده». لست أجد أفضل من هذا التعبير يبيّن منزلة الأستاذ سعيد عقل الأدبية. من أساطير المجد في ملاحم أوغاريت الفينيقيّة إلى الدقة العلميّة الفيتاغوريّة، من نزعة البطولة عند المتنبّي في سلّ سيوف وطعن رماح إلى تحسس القيمة الجمالية للكلمة العربية مع إبراهيم اليازجي. من جبران في خيال إيحائي مجنّح إلى شارل قرم في نزعة قوميّة لبنانية خالصة، منها جميعاً تتكوّن كلاسيكية الأستاذ سعيد عقل كوّارةَ فاعليّة في الشعر المعاصر. ومن ثمة يتفرع عنها جيل من الشعراء هو البكر… إنهم الشعراء «السعيديّون». أسعداء كانوا بلقبهم أم لا. إن الحقيقة سعيدة ولا شك. من هذا الرعيل على سبيل المثال لا الحصر جماعة مجلة شعر ومنهم أدونيس وأنسي الحاج وتكبر الدائرة مع نزار قبّاني وجورج غانم والرحبانيون وكثيرون… والبقية تأتي. ولئن اختلف القول في مفهوم الكلاسيكية، فإن الكبار يستظلّون الكبار والتاريخ، ولكن الكبار الكبار يستظلّون الآلهة فيظلّلون التاريخ.

 

أدب سعيد عقل أدب الصفاء. إنّه أدب يقسو فيه سعيد عقل الناقد على سعيد عقل المنتج حتى التزمّت. والأديب الحق هو أول ناقد لنفسه. يروح يلعب بالكلمة تبديلاً وموازنةً ومقابسةً حتى يقع على اللفظة المناسبة فيحقق السهل الممتنع شعراً ونثراً.

 

والغريب الجميل، أنك تقرأ فلا تلحظُ افتعالةً أو كداً… ذلك أنّ الأدب إذا بلغ منتهى الأناقة الفنية عاد يقع في الطبعيّة من جديد. ويولد السر، سرّ الارتياح المزدوج في أدبه: تقرأه ابنة الرابعة عشرة فتطرب ويقرأه الناقد التكنيكي فيطرب. كلاهما واجد فيه ضالته: براءة ومسحة رؤى جماليّة ودنى تتياقظ بهيّة جديدةً للأولى وصناعةٌ أدبيّة بكامل تعقيداتها للثاني. إرضاء الواحد ضعف. إرضاء الإثنين إبداع. أدب سعيد عقل أدب الإبداع.

 

بعض الشعراء الذين عاشوا بين قوافيه فتتلمذوا له أو عليه من بعيد أو قريب، بإرادتهم أو رغماً عنهم، بدأوا يتساءلون هل انتهى سعيد عقل كشاعر؟ هذه الليلة سيسمعكم من قصائده الجديدة فتغرّد «الكلمة العصفورة» كما لم تغرّد من قبل وستجيبون أنتم على هذا التساؤل. سيكون جوابكم قوياً ومفحماً دون شك: إنّ جوهر المعدن الأصيل لا يتبدّل… والشاعر الكبير يبدأ ولكنه لا ينتهي. والظلال حوله لئن طالت قاماتها في الصباح والمساء، وكلاهما وقت غير مؤات للرؤية الصحيحة، فإنّ شمس الظهيرة، شمس التاريخ، تعيد كلّ شيء إلى حجمه الطبيعي.

 

أستاذنا الكبير، ما أكبر قلبك… حتى بهم… وما أكبر قلبنا بك دوماً.

 

وبعد، سعيد عقل مزيج من ثلاث: محبة وبطولة ولبنانية. رسول بولسي إنسانيّ أصيل في محبته عملاً وقولاً. وبطل يجهر بالحق يوم يعزّ الجهار بالحقيقة. ولبنانيّ؟ لا بل هو الحاكم الفعلي للبنان، وهذا قول أصرّ عليه بالدليل. ولكن أيّ لبنان هو لبنانه؟ إنه لبنان الشباب المثقف الطموح ولبنان الغد… لا لبنان العثمانيين. ولا واحد في سراياتنا منفردين ومجتمعين عمل للبنان ما عمله سعيد عقل. على العكس، كانوا يزيدونه كراهيةً وكان ولا زال يكثّفه محبةً وتقديراً وكبراً…

 

إنّه الشاب الذي جعل من فكره دستوراً لشباب لبنان. فيوم كان الشباب اللبناني في ضياع، وكان حكام لبنان السياسيون في خلاف على اقتسام المغانم، وكانت الأصوات تنطلق من كل ناح بدعوات غريبة على وجودنا، ارتفع صوت ابن زحله البار قوياً كالعاصفة يسكتها جميعاً «أمّتي لن تفرنج أو تسورن أو تعربن… أمتي ستلبنن العالم…».

 

سيداتي سادتي، صوت الأمة اللبنانية الصافي عقيدةً وشعراً: الأستاذ سعيد عقل.