إنطلاقاً من رسالة الفيلسوف اللبناني الارثوذكسي شارل مالك، للموارنة و»الكثير المطلوب» منهم، وبنودها الأحد عشر التي حدد فيها عظمتهم ودورهم في الشرق ولبنان الذي أعطي لهم شعباً وتراثاً وقيماً، من جبل لبنان الى «مجد لبنان» الى التعددية والتراث الآرامي السرياني وصولاً إلى بكركي، والليتورجيا والتاريخ الموحد وصلتهم بالعالم وقدرتهم على العطاء. مروراً بالأب ميشال حايك ثالث الدّويهي والسّمعاني الذي تكلّم عن «المارونيّة» الثورة والحريّة، فبالنسبة له: «المارونية هي وطن وأرض وحرية، رسمت هويتها على مولدها وعلى تاريخها حتى النهاية». وقد فضّل دائماً استعمال كلمة «المارونية» على كلمة «الكنيسة المارونية»، لكيلا يُقتصر الحديث على مظهر واحد من مظاهر الفكر والحياة خلال خمسة عشر قرناً من التاريخ.
هذه المارونية على حد قول حايك، نشأت في الأصل «كطريقة قداسة» خطّها المتوحّد مارون، أصبحت مع إنشاء البطريركية مؤسسة «كنسيّة» ذات سلطة مستقلة، وفي القرون الوسطى، هي «أمة مسيحية». ومن ثم هي محاولة إقامة دولة عصرية ومرادفة للقومية اللبنانية.
ونكمل مع الاب حايك الذي يقول «انّ هذه المارونية لا تنحصر كلها في «كنيسة»، ولا هي أيضًا تحدّ بأرض، لأنها، من شمولية إيمانها الكاثوليكي ومن انبثاثها الجغرافي في كل القارات، ومن تعدّد تعابيرها الثقافية، تتخطى حدود أي وطن معين. غير ان وجود مركز محوري ضَمن الوجود وعزّز الوحدة. هذا المحور هو لبنان، منذ أن نُقل إليه الكرسي البطريركي نهائياً عام 939 وكأنما الغاية من انتقال البطريرك كانت لتكريس عقد الزواج الذي لا طلاق منه أبدًا بين الماروني والأرض اللبنانية.
من هذا القران سيولد شعب وينشأ بلد. إذ ان الأرض، لولا الماروني، لأصابها من القحط والبوار ما أصاب العديد من بقاع الشرق. كما أن الماروني، لولا الأرض، لظلّ لا شك هائماً على وجهه من باب لباب حتى الضياع كما ضاع غيره».
فوجوه الشبه بين الماروني والأرض اللبنانية تاريخيّة وتعددية ثقافية-حضاريّة وجغرافيّة وسياسيّة وثورويّة.
فأرض الشرق الأدنى الهلال الخصيب كانت منبع الحضارات منذ فجر التاريخ، فتمازج السرياني مع اليوناني مع الروماني أدى الى تعددية ثقافية بدأت مع مار مارون نفسه الذي يمكن أن يكون أتقن لغتين، السريانية واليونانية، وتابعت سيرها وتألقت بنوع خاص بعد تأسيس المدرسة المارونية الشهيرة في روما سنة 1584 وخليفتها مدرسة عين ورقة سنة 1797.
جغرافياً، استطاع الموارنة أن يكوّنوا في لبنان مشرقاً مصغّراً: إذاً، إنّ لبنان هذا هو المشرق البديل عن ذلك المشرق الضائع الذي لم يولد بعد. إذ إنه كان يستقبل كل اتنيات المشرق الذين سلموا من المجازر، كالأرمن والسريان، أو أولئك الذين سيّبت قضيتهم كالأكراد والفلسطينيين… فأصبح لبنان عند مسيحيي الشرق، أقروا ذلك أم كتموه، هو القبلة حيث يتجه بهم التوق إلى أرض وإلى حرية غير منقوضتين. ولذا فكل مرة عصفت بلبنان رياح الموت أو هدرت به مياه الحياة أحسّوا هم أيضًا بلحمهم ودمهم الإحساس نفسه. هذا يعني أن النصيب الدي يُقدَّر للموارنة هو النصيب نفسه الذي ينتظر مسيحيي الشرق وباقي الاتنيات والكيانات الثقافية. وبكلمة أخرى، إن مشروع إبادة الموارنة يشكل اغتيالاً للمشرق وبخاصة للعروبة والإسلام.
والشبه الثالث بين الماروني والأرض هو الشواذ في القاعدة؛ ففي بادية صحراوية وحدوية كان جبل لبنان الجبل الأخضر، كذلك الماروني، ثقافياً تعددياً، سياسياً ديموقراطيُ. هو وحده كاثوليكي، في محيط لا خلقيدوني. نشأ على ضفاف العاصي وعلى مثاله سار عكس الشرق فتبع مجرى النهر حتى منبعه في لبنان، منبع العصيان. والموارنة منذ بداياتهم، عندما أقاموا بطريركية مستقلة، ارتكبوا عمل عصيان بجسارة مذهلة. وإنهم لم يكتفوا بإقامة بطريرك لهم من دون أن يستأذنوا امبراطور بيزنطية والخليفة الأموي، بل رفضوا أن يستميحوا من أي سلطان زمني فرمان التثبيت. لاشرعية ظل الموارنة يمارسونها مدة ثلاث عشر قرناً.
لقد اتخذ الماروني الإسم اللبناني فتسمّى لبنانياً فحسب، بينما ظل بنوه طويلاً يُعرفون لا باسم عائلاتهم بل بأسماء أرضهم وقراهم، فيقال العمشيتي والحاقلاني واللحفدي والأهدني والبشراني والحصروني والعاقوري والمزرعاني… كأنما الأرض اللبنانية هي شجرة العائلة عند الموارنة. فهم في عكس معظم شعوب الشرق التي لم تعرف الأرض كمرعى للبدو أو كملك للسلطان.
كل هذه العوامل أدت الى ترادف كلمتي «ماروني» و«لبناني».
لقد امتاز الموارنة على حد قول الأب يواكيم مبارك بروحانيّة «المعزي»، وذلك بالعودة إلى سلوكهم المتمرّد وصعوبة انتظامهم، وفي هذا السلوك الكثير من الحريّة الفرديّة! ومن هنا قيل «مارونويي لو مِطقسين» أي الموارنة لا ينتظمون، فالذي يراقب سلوك قطيع «المعزي» يكتشف أن العنزة لا تحني رأسها لتأكل، انما رأسها دوماً شامخ. وهكذا الموارنة كالماعز، التي رافقتهم طوال 1400 عام، مجيدة التنقّل على قمم الجبال وفي الأماكن الوعرة والمستحيلة على غيرها!
غير أنّه مع الشّدة ينتظم الموارنة ويجترحون العجائب، فالشعب الماروني لا يتعرف حقًا إلى ذاته إلا في الأزمات القصوى.
فبعد فتوى إبن تيمّية و»معصية» ابن الصبحا حوالى العام 1305، إنقبض الموارنة وانحسروا ونزحوا إلى معاقلهم في جبّة بشري والزاوية وجرود المنيطرة المتبقية. لكنّ اندفاعهم إلى هذا التجمّع قد حثّهم على إستنباط صيغ تُلائم وضعهم المستجد من دون التخلّي عن أصالتهم، فإذا بهم يُطوِّرون صيغة تنظيمهم التقليدية، فانتظموا تحت لواء السلطة البطريركية والتفّوا حول مركزيتها وإنضووا في الوقت عينه تحت قيادة «المقدّمين». ومن جبل لبنان إلى حلب عادوا، فيتّضح لنا من سجل كنيسة مار الياس حلب سنة 1666 أن عائلات مارونية يقارب عددها المائتين قد نزحت، في القرن السّابع عشر من قرى الجبّة والزّاوية الى هناك.
وقد سمح التموضع الجديد للموارنة بتطوير قدراتهم الزراعية والتنظيمية والعلميّة والثقافيّة والسّياسيّة، وتطوير نظام الشراكة بين الدير والشعب، ولعلّ اسمى درجات التطور اتت من حلب بالذات، حين عاد أربعة شبان الى جبل لبنان، لديهم مشروع كبير لتطوير الحياة الرهبانية والديريّة، وهكذا كان… فبعد حوالى ألف عام على انشاء «مؤسسة بيت مارون الكُبرى» أي البطريركيّة المارونيّة، نشأت «مؤسسة بيت مارون الصّغرى»-الرهبانيّة اللبنانية المارونيّة. مؤسسة مشروعها واضح: «مجد الله الأعظم وخلاص النفوس» ونضيف اليها خير المجتمع العام. مؤسسة ساهمت برسم حدود لبنان منذ عهد الإمارة حتى لبنان الكبير، مؤسسة يزهد ابناؤها عن كلّ شيء لأجل الخير العام، السلطة فيها خدمة وليست تسلّطاً، تنتقل بسلاسة بإلهام من الروح القدس.
فالدير في مفهوم الموارنة ليس مكان صلاة وحسب، بل مركز عبادة وعمل ومدارس للتعليم ومنطلق رسالة وحضارة ونضال. لقد كانت الأديرة نواة لتجمعات إقتصادية وإجتماعية هامة يعيش فيها «الشركا» في مزارع صغيرة تحوّلت مع الوقت إلى قرى كبيرة ومزدهرة. ولم يغِب كاهن الرعية عن هذه الرسالة فكانت معه مدرسة «تحت السنديانة»، وكانت هذه القرى النموذجية مكتفية ذاتيًا وقد اعتمدت الكنيسة المارونية منذ 1400 سنة نظاماً قائماً على ثلاث ركائز: التضامن والعدالة والترقّي.
فقد ساهمت الرهبانية الحديثة بفعالية بعملية التطوير، فمن خلال نظام الشراكة عمّمت الأعمال الزراعية، ونمّت الأراضي الوعرة في الجبل اللبناني، وقد كان الرهبان خاصة يُشاركون الشعب في العمل الزراعي وتربية المواشي وصناعة الحرير… كما مارسوا الحِـرَفْ على أنواعها، وعلّموها للعامة وعلى مختلف أنواعها طباعة – حياكة – نجارة – صناعة فخّار – بناء – حدادة… تجربة سبقت العقيدة الإجتماعيّة للكنيسة الكاثوليكيّة بمئات السنين.
فبالعودة الى قوانينها وكتابات ابنائها، وتعلّق الماروني بأرضه، «نجد أن مداخيل الرّهبانيّة كانت من منتجاتها الزراعيّة. فكانت الأرض هي المصدر الأساسيّ لمعيشة الرُّهبان، والاهتمام بها كان من الضروريّات الأساسيّة، ودرجت العادة أن يكون عمل الأرض من اختصاص الإخوة العاملين، فكانت الأرض مدرسة قداسة ومصدر روحانيّة. فالقمح لخبز القربان والكرمة لخمره، والزيتون لميرون العماد ولتكريس اليدين ومسحة المنازعين، والتوتة لنسج أغطية المذابح.
هذا في الماضي، أما اليوم «فحالنا للتلف أشرَف»، صلاة يرفعها الموارنة لوالدة الاله نظمها عبدالله قراعلي احد مؤسسي الرهبانيّة والتي كادت ان تكون نشيد الموارنة، تصف بدقّة حال الموارنة عبر التاريخ. فها الموارنة قد خسروا كل شيء… أزمة إقتصادية حادة تكاد تلامس الإفلاس وتهدد بالمجاعة، وباء عالمي، صفقات ومحاور أوصلت لبنان الى شفير الزوال، بسبب رهانات عابرة للحدود. فها هم الموارنة اليوم على حد قول الأب ميشال حايك، يرجعون إلى عريهم الأول، معزولين عن الشرق، متروكين من الغرب، كما كانوا، ولم يبق لهم سوى ذاتهم والأرض. فالموارنة في النهاية يخسرون هذا الرهان نفسه كما خسروا من قبل كل رهاناتهم القديمة، عندما راهنوا على بيزنطية والفرنجة والعثمانيين والعرب. وهذا اللبنان رمز الشمولية المشرقية والعالمية قد تحطّم كدولة وتمزّق كأرض.
لا، إنَّه ليس العام 1916، إنَّه عام 2022. وكأن التاريخ يعيد نفسه، وكأننا بعد مئة عام على إنشاء لبنان الكبير عدنا إلى نقطة البداية. ليس أصعب من العام 1305، ولكن… في هذا العام نجد استحقاقين مارونيين كبيرين، انتخابات رئاسة الجمهورية وانتخابات الرهبانية التي اسهمت بإنشاء هذا الكيان وهذه الجمهوريّة.
الإستحقاق الثاني حاصل لا محالة، لأنّ المؤسسة أكبر من الشخص والزعيم، اما الإستحقاق الأول فضبابي لانعدام الرؤيا والتخطيط عند موارنة اليوم.
المطلوب اليوم هو مؤسسة علمانية تشبه «مؤسسة بيت مارون» تسعى لمجد الله الاعظم وخير النفوس، قادرة على بناء قادة، يستطيعون بناء المستقبل، السلطة بالنسبة لهم تكون خدمة وامانة، المشروع والمجتمع بالنسبة اليهم اهم من الزعيم والكرسي مهما علا شأنه، قادة رأي لا يفتخرون مهما علا شأنهم بين الناس، إلاّ بكونهم ابناء أمّة فلاحين ومعازين، تاريخهم متصالح مع ذاكرتهم الجماعية. مؤسسة تسعى على الصعيد الداخلي الى إعادة إحياء القرى، وإنشاء مؤسسات تتعاطى اقتصاد المعرفة، وتطوير نوعية الإنتاج الزراعي، كي نتمكن من الصمود والنهوض من جديد.
وعلى الصعيد الوطني والدولي تنشأ قادة رأي مدركين تماما للعبة الدولية، متيقنين تماما ان المسألة الشرقية مطروحة من جديد في عواصم القرار. مؤمنين ان الوجود المسيحي في هذا الشرق أصبح ضرورة، حياد لبنان وسيادته على أراضيه والعمل للوصول إلى مجتمع تعدّدي يحفظ حقوق الأقلّيات أصبح حاجة. وان الواقع اليوم يشبه الى حد بعيد واقع مؤتمر فيينا.
فللوصول الى حل يشبه الحل السويسري نحن اليوم بحاجة الى مؤتمر دولي يساهم في تطبيق القرارات الدولية ويوصلنا الى حياد كالذي كفله مؤتمر فيينا لسويسرا بغطاء فاتيكاني. فالحياد هو آخر حلول الوحدة. على الرغم من ان التكلّم عن شكل نظام الحكم في لبنان سابق لأونه، غير أنّ أوجه الشبه بين لبنان وسويسرا كثيرة، فالفيديراليّة قائمة منذ أيام الممالك-المدن الفينيقيّة، وصولا الى اقتصاد الجبل الليبيرالي المنتج، البُعد عن السلطة المركزية والحريّة الفرديّة. فإذا لم نبادر نحن ونصبح حاجة للمجتمع الدولي ونحقق مكاسبنا، فإننا سنكون ذكرى يلعنها التاريخ والأجيال القادمة.