في التوقيت السياسي، لا توجد صدفة في إعلام الرياض، خاصة حين يتعلق الأمر بالملف اللبناني الشائك وتوازناته الدقيقة. عندما قررت قناتا «العربية» و«الحدث» تسليط الضوء بشكل مكثف وفجائي على تحركات الأمين العام لتيار المستقبل، أحمد الحريري، لم يكن الأمر مجرد تغطية لنشاط سياسي روتيني أو جولة ميدانية في القرى والبلدات، بل كان بمثابة «نعي سياسي» علني وفوري لمحاولات إعادة تعويم تيار المستقبل برعاية إقليمية خارج سياق «المظلة السعودية». هذا «الزلزال الإعلامي» كشف عن فجوة سحيقة بين طموحات أحمد الحريري الميدانية وبين الثوابت السعودية الصارمة التي لا تقبل القسمة على اثنين، واضعاً الرئيس سعد الحريري في أصعب موقف سياسي وتاريخي منذ إعلان اعتكافه الشهير.
• الكواليس المسكوت عنها.. ماذا كشفت «الحدث»؟
لم تكتفِ قناة «الحدث» بنقل أخبار عامة، بل غاصت في تفاصيل وصفتها بالسرية والموثقة، وهو ما أحدث حالة من «الذعر السياسي» داخل أروقة تيار المستقبل و«بيت الوسط». تضمنت التقارير معلومات استخباراتية وسياسية تشير إلى تجاوزات لم تعد الرياض قادرة على السكوت عنها أو تمريرها كـ«اجتهادات شخصية»، وأهمها:
1. قنوات التواصل مع «الضاحية»: كشفت التقارير عن «لقاءات ظل» واجتماعات بعيدة عن الأضواء أجراها أحمد الحريري مع قيادات مؤثرة في حزب الله. الهدف، بحسب التحليلات، لم يكن حواراً وطنياً شاملاً، بل «تأمين مصالح انتخابية» ضيقة وضمان عدم عرقلة الحزب لنشاط التيار في بعض المربعات الجغرافية، مقابل «صمت سياسي» مريب تجاه ملف السلاح غير الشرعي وتغلغل نفوذ الحزب في مفاصل الدولة.
2. لعبة التمويل و«اقتصاد الظل»: أشارت التسريبات إلى أن تحركات أحمد الحريري ارتبطت بمحاولة حماية شبكة مصالح اقتصادية بدأت تظهر في بيروت والشمال، تعتمد على أنماط من «اقتصاد الكاش» والتهرب من الرقابة الدولية، وهو أمر تعتبره السعودية دعماً غير مباشر للمنظومة التي يحميها ويغذيها حزب الله لالتفاف على العقوبات الدولية.
3. تجاوز «الخط الأحمر» السيادي: الموقف السعودي تاريخياً يقوم على «سيادة لبنان وحصر السلاح بيد الدولة». ما كشفته «الحدث» هو أن أحمد الحريري بدأ يروّج لخطاب «الواقعية السياسية» المسموم، الذي يعني ضمنياً القبول بسلطة الأمر الواقع، وهو ما اعتبرته الرياض «خيانة معنوية» لمبادئ ثورة الأرز ودم الشهيد رفيق الحريري، وتنصّلاً من الالتزامات العربية لتيار المستقبل.
• الاستياء السعودي.. لماذا وصلت العلاقة إلى «نقطة اللاعودة»؟
إن الاستياء السعودي ليس وليد الصدفة، لكنه وصل مع «شطحات» أحمد الحريري إلى مرحلة «الغضب المعلن». المحللون المقربون من مراكز القرار في الرياض يفسرون هذا الغضب بأن المملكة لم تعد تحتمل سياسة «اللعب على الحبلين» أو الابتزاز بالمواقف. وتتلخص أسباب هذا الاستياء في:
– انعدام الثقة في «الوكيل»: ترى الرياض أن أحمد الحريري يتصرف كـ «لاعب مستقل» يحاول فرض واقع جديد على المملكة مستغلاً غياب سعد الحريري وتواجده البعيد. هذا النوع من «المراهقة السياسية» أزعج صانع القرار السعودي الذي يرفض أن تُلوى ذراعه عبر سياسة الأمر الواقع في الشارع أو التلويح بالتحالفات المشبوهة.
– الكيدية السياسية ضد «البدائل»: تُتهم أوساط أحمد الحريري بممارسة نوع من «الكيدية» الممنهجة ضد الشخصيات اللبنانية والسنية التي تحظى بدعم سعودي حالياً. المملكة ترى أن أحمد يحاول «تطفيش» أي بديل سنّي محتمل لتكريس فكرة «أنا أو لا أحد»، مما يبقي الساحة السنية مشتتة وضعيفة، وهو ما يصبّ مباشرة في مصلحة مشروع حزب الله الذي يزدهر في ظل التشتت السنّي.
– الرهان الخاسر.. رصاصة الرحمة على الرأس:
هنا نصل إلى النقطة الأكثر خطورة وحساسية في الحسابات السعودية. فبحسب ما نُقل عن كواليس تحركات أحمد الحريري، هناك هامش من «الرهان الخطير» الذي بدأ يتسرب إلى عقل الماكينة السياسية في بيت الوسط. هذا الرهان يقوم على فكرة «اللعب على التناقضات العربية»، والاعتقاد الواهم بأن سعد الحريري يمكنه العودة إلى المشهد السياسي اللبناني بمظلة عاصمة خليجية أخرى غير الرياض، أو عبر استغلال تباينات طفيفة في وجهات النظر الإقليمية.
إن هذه الحسابات، إذا صحّت، ستكون بمثابة «الرصاصة التي سيطلقها سعد الحريري على رأسه» سياسياً. فالمملكة العربية السعودية لا تنظر إلى الملف اللبناني كملف ثانوي، بل كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي وعمقها العربي. وأي محاولة للالتفاف على «بوابة الرياض» عبر عواصم أخرى لن تُفهم إلا كفعل «خروج عن الإجماع العربي» وارتماء في أحضان أجندات لا تلتقي بالضرورة مع مصلحة لبنان السيادية. الرياض تعتبر أن شرعية تيار المستقبل استُمدت تاريخياً من «الختم السعودي»، وأي محاولة لاستبدال هذا الختم بآخر ستعني سقوط الشرعية العربية عن سعد الحريري وتياره إلى الأبد، وتحويله إلى مجرد «أداة» في صراع المحاور، بدلاً من أن يكون زعيماً وطنياً مدعوماً من «الشقيقة الكبرى».
• الانعكاسات الدراماتيكية على سعد الحريري (الضحية السياسية)
بينما يقيم الرئيس سعد الحريري في «منفاه الاختياري»، تأتي تحركات أحمد الحريري غير المحسوبة لتزيد من ثقل الأغلال السياسية عليه. لقد تحوّل الأمين العام من «محرك للتيار» إلى «عبء استراتيجي» على زعيمه، وتجلّت الانعكاسات في:
1. تبخّر آمال «الغطاء العربي»: بينما كان جمهور الحريري يمنّي النفس بعودة «الشيخ سعد» محمولاً على رافعة دعم إقليمي، جاءت تقارير «العربية» و«الحدث» لتؤكد أن الطريق لا يمرّ عبر «المناورات». لقد تسببت هذه المواقف في تجديد «الحرم السياسي» السعودي غير المعلن على عودة سعد للمشهد الحكومي.
2. تعميق العزلة الدولية: الرسائل السعودية تلتقطها العواصم الكبرى (باريس وواشنطن) فوراً. عندما ترفع الرياض غطائها عن «آل الحريري» بهذا الشكل العلني، فإن المجتمع الدولي يبتعد تلقائياً عن طرح اسم سعد كخيار للإنقاذ، مما يجعله معزولاً ومحاصراً في زاوية الضيق السياسي.
ومن قلب العاصفة لم يتوقف الهجوم عند الشاشات، بل امتد للصحافة الورقية التي تعبّر عن التوجهات الرسمية للمملكة، حيث أن صحيفة «الشرق الأوسط» كتبت بوضوح: «إن زمن المراهنة على الصمت السعودي قد انتهى، وما بثّته منصات الرياض الإعلامية هو دعوة صريحة وأخيرة لتيار المستقبل لمراجعة خياراته؛ فالرياض لن تدعم نهجاً يمنح الشرعية لخصوم الدولة تحت أي مسمّى».
ردّ أحمد الحريري (من جولة عكار): جاء ردّ الأمين العام متشنّجاً، حيث قال: «نحن لا نتلقى دروساً في العروبة من أحد. علاقتنا بالمملكة وجودية، لكن هناك من يحاول تسميم الأجواء..» وهو ردّ اعتبره الخبراء بمثابة «انتحار دبلوماسي» لأنه لم يستوعب حجم الرسالة القادمة من خلف الحدود.
• لماذا تعتبر الرياض هذا التحرك «مردوداً سيئاً»؟
المشكلة تكمن في تحوّل الرؤية السعودية للبنان من «الدعم العاطفي» إلى «الدعم المشروط بالنتائج». عندما ترى الرياض أن الماكينة الحريرية بقيادة أحمد الحريري تساهم في إضعاف «الصقور السياديين» وتشتيت المكوّن السنّي، فإنها تصنّف ذلك كـ «خسارة استراتيجية». المردود السيئ هنا يتمثل في تحويل تيار المستقبل من «رأس حربة» للمشروع العربي إلى «جسر عبور» لشرعنة نفوذ حزب الله في السلطة تحت مسمّى «الميثاقية».
إن ما كشفته «الحدث» و«العربية» لم يكن مجرد سبق صحفي، بل كان «إعداماً سياسياً» لنهج حاول الالتفاف على الثوابت. المردود السلبي كان مضاعفاً وقاسياً على سعد الحريري؛ فقد خسر «وهج العودة» وبات مطالباً بتقديم أوراق اعتماد جديدة وجديّة.
إذا استمر أحمد الحريري في رهانه على «التناقضات العربية» محاولاً إيجاد مظلة بديلة للرياض، فإنه لن يكتفي بإحراق نفسه، بل سيجهز على ما تبقّى من الحريرية السياسية. ففي قاموس الرياض، الوفاء لا يتجزأ، والسيادة لا تُباع في سوق المقايضات الإقليمية. فهل يدرك سعد الحريري أن الرصاصة قد انطلقت، أم أنه سينتظر فوات الأوان ليشهد على نهاية إمبراطورية سياسية بناها والده بالدم والتحالف الوثيق مع المملكة؟