IMLebanon

سيناريو 1990 راجع؟

 

لا قيمةَ لما يقرِّره اللاعبون في الداخل. إنّهم غالباً «وكلاء» الخارج، واللعبة أكبر منهم. فعبثاً يجري النقاش مع «حزب الله» ليذلِّل العُقَد من طريق الحكومة، لأنّه لن يتّخذ قراره بلا تنسيق مع إيران. وفي المقابل، عبثاً يُلامُ الرئيس سعد الحريري أو يُمتَدَح على «مبادرة» التسهيل. فالرجل يريد بأي ثمن إنقاذ صديقه ماكرون في لبنان، وهو الذي أنقذه قبل عامين من مأزق «الاستقالة» في الرياض: كلُّهم مرغَمون. «مُرْغَمٌ أخاك لا بطل»!

قبل عام، عند انفجار انتفاضة 17 تشرين الأول، كان ممكناً حلُّ الأزمة بتسويةٍ يكون فيها القرار للقوى الداخلية، وبنسبة كبيرة. لكن قِصرَ النظر والأنانية، بل والتآمر الذي ميَّز سلوك هذه القوى دفعت بالأزمة لتصبح، بالكامل، إقليمية- دولية.

 

اليوم، ربما يفضِّل الإيرانيون إضاعة بضعة أسابيع من المراوحة في لبنان، لتتمّ انتخابات الرئاسة الأميركية، ويعرفوا مع مَِن سيتفاوضون ويقدِّمون التنازلات وما حجمها، أو يحققون المكاسب وما حجمها. ولذلك، هم لا يبدون اهتماماً بالاستعجال وتسهيل مهمَّة ماكرون في لبنان، خصوصاً أنّه لا يمتلك شيئاً مُهماً لتقديمه إليهم أو هو لا يجرؤ على تقديم شيء مُهمّ، خشية أن يدفع الثمن أميركياً.

 

وأما ماكرون، فكل همِّه تحقيق شيء في لبنان. إنها فرصتُه ليكون «شارل ديغول الجديد»، ويمنح فرنسا موقعاً ثابتاً ومتمايزاً في الشرق الأوسط عن الولايات المتحدة، وبدعم أوروبي. وليس من بلد عربي أو شرق أوسطي آخر يمكن أن يمنح الفرنسيين ترحيباً عميقاً غير مصطنع، ومبنياً على أرضية متينة راسخة في التاريخ، سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

 

فوق ذلك، إذا خسر ماكرون في لبنان، فسيخسر أمام الولايات المتحدة التي تنتظره «على الكوع»، لتثبت له أنّ محاولاته لتطويع إيران «على الناعم» ستبوء بالفشل. ولكن أيضاً، سيخسر ماكرون بالنقاط أمام إيران وإسرائيل، وطبعاً تركيا، التي يتحدّاها في شرق المتوسط وشمال إفريقيا. وسيُظهِر الفرنسيون للعرب أنّهم ليسوا موضع ثقة، للاتكال عليهم، حتى في المبادرات الصغيرة.

 

كل ذلك يعني أنّ على اللبنانيين، في ظلّ هذا الطاقم الممسك بالسلطة، أن يستسلموا للمشيئات الخارجية، لتقرِّر متى يناسبها الحل. أي عليهم أن ينتظروا ما ستؤول إليه المساومات الجارية بين القوى الإقليمية والدولية المهتمَّة بالنفوذ في لبنان، ولاسيما بين الولايات المتحدة وإيران… ولكن بالدرجة الأولى، ما تريده إسرائيل.

 

الإسرائيليون، بعمليات التطبيع المفتوحة في العالم العربي، باتوا يملكون اليوم أوراقاً قوية جداً، يضغطون بها لتحصيل أي اتفاقات منتظرة بينهم وبين الفلسطينيين والسوريين والأردنيين والمصريين، وطبعاً اللبنانيين.

 

مفاوضات الترسيم والتحضير لبدء التنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الجنوبية المحاذية لإسرائيل، والتي كان يشجع الأميركيون على انطلاقها منذ أعوام، كانت ستتمّ آنذاك في ظروف أفضل بكثير للبنان.

 

آنذاك، لم يكن لبنان منهاراً اقتصادياً ومالياً ونقدياً واجتماعياً، ولم يكن مصيره مرهوناً بالجهات المانحة. ولم تكن الخيبة «المبدئية» قد أطلَّت من البلوك 4 قبالة ساحل جبيل والبترون. ويومذاك، لم يكن قد دُمِّر مرفأ بيروت، الذي يصنَّف بين الأكبر والأنشط شرق المتوسط، ومعه دُمِّر جزء مهمّ من قلب بيروت الفاعل. ولم تكن قد وُضِعت موضع التنفيذ في إسرائيل أرضية اعتماد مرفأ حيفا صِلةَ وَصْلٍ بين أوروبا والشرق العربي.

 

إذاً، سواء وُلِدت حكومة «ماء الوجه» الفرنسي، استنساخاً لحكومة «سَواد الوجه» التي تصرّف الأعمال اليوم، أو جرى تعويم هذه الحكومة إيّاها، فالأمر سيكون سيّان: الاستسلام الداخلي التام لمشيئات الخارج. وسيكون عمق اللعبة هو انتظار اللحظة التي فيها ستترأّف القوى الخارجية بلبنان، وتتفق على أي تسوية كانت لإنقاذه. فالمهمّ هو الخلاص، وبأي ثمن، لأنّ لا مجال للنزول إلى قعرٍ أكثر عمقاً.

 

وهنا، يمكن توقُّع سيناريوهات عديدة. فقد يتأخّر الحلّ لاستكمال المزيد من التقاطعات في المصالح. وقد يتمّ استعجال الحلّ تحت وطأة التحوُّلات، فوق الطاولة وتحتها، خصوصاً على مستوى التطبيع الإسرائيلي- العربي أو «الكباش» الأميركي- الإيراني.

 

البعض يعتقد أننا ربما نكون في مرحلة 1989-1991: اتفاق الطائف وبناء سلطة جديدة مغطاة بتوافق إقليمي- دولي شكَّل انعكاساً لموازين القوى آنذاك. والقوى الخارجية هي إيّاها، وهي وصية على القوى الداخلية إيّاها، وستنتج اتفاقاً وسلطة جديدين.

 

ولكن، لإنجاز التسويات، هناك شروط. فالقوي، «حزب الله»، كيف يتخلّى عن نفوذه والسلاح وينخرط في التسوية، وهو اليوم يستشرس دفاعاً عن مقعد واحد هو وزارة المال؟

 

يجيب بعض المطلعين: كل شيء في وقته، وبثمنه. وتوازنات القوة الدولية والإقليمية، في لحظة التسوية، هي التي تحسم الخيارات. وفي أي حال، إذا أُعطِيَت إيران ثمناً مناسباً، وضماناتٍ، فسيكون بديهياً أن تدخل التسوية.

 

ويذكِّر هؤلاء: حتى خريف 1989، موعد إقرار اتفاق الطائف، كانت «القوات اللبنانية» بلا منازع أقوى تنظيم عسكري وأمني في لبنان. آنذاك، لو قال أحدهم إنّ «القوات» ستتخلّى عن سلاحها في أشهُر أو عامٍ واحدٍ حدّاً أقصى، وتخسر هذا الامتياز الفائق الأهمية، عملاً بهذا الاتفاق الإقليمي- الدولي، لقيل عنه إنّه مجنون.

 

ولكن، فعلاً، بين خريف 1990 وربيع 1991، تخلَّت «القوات» عن دبّاباتها وصواريخها وسائر أسلحتها، بما فيها المروحيات العسكرية العائدة أساساً للجيش اللبناني. وتولّى نظام الرئيس حافظ الأسد رعاية تنفيذ التسوية، بغطاء إقليمي- دولي. والبقية معروفة.

 

فإذا تمّت التسوية، سيكون هناك «حزب الله» جديد. هذا مؤكّد. ولكن، هل يكون خاسراً فيها أم لا؟

 

«حزب الله» يمتلك امتداداً يضمن له الحفاظ على مكاسب. وهذا ما لم تكن «القوات» تتمتع به. ولذلك، قد يخسر «الحزب» في مكان، ويربح في مكان آخر. وسيكون الأمر مرهوناً بتوازنات القوى وطبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة التسوية، وبعناصر المقايضة.