IMLebanon

حين تتكلم الأيدي أكثر من البيانات

 

في بعض اللحظات، لا يكتب التاريخ بالحبر وحده، ولا تصنعه البيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحافية، بل تحسمه صورة. صورة واحدة قد تختصر ما تعجز عن شرحه عشرات الصفحات لأن الوجوه لا تجيد التمثيل طويلًا ولأن لغة الجسد تفضح ما تحاول الكلمات إخفاءه.

 

هذه واحدة من تلك الصور .

 

بعد توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، صدرت بيانات رسمية، تصريحات دبلوماسية، وكلمات محسوبة بعناية لكن عندما انتهى كل شيء، لم يبق في الذاكرة سوى هذه الصورة وكأنها المشهد الأخير من فيلم طويل وشاق.

 

في قلب الصورة، ينحني وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو بجسده نحو السفيرة اللبنانية ندى معوض. لا كوقفة المنتصر الذي يحتفل بانتصاره، بل أقرب إلى انحناءة احترام وتقدير. يده اليسرى تستقر على كتفها، واليمنى تمسك بيدها. وفي لغة الجسد، تُقرأ هذه الإيماءة على أنها أكثر من مجرد حركة بروتوكولية باردة هي لحظة إنسانية توحي بإدراك ثقل اللحظة وكأن الصورة تهمس بما لا تقوله الكلمات: “أعرف حجم ما حدث.”

 

فالانحناء في حد ذاته يحمل دلالة. في السياسة، اعتاد الأقوياء أن يقفوا منتصبين، لذلك، عندما ينحني مسؤول بهذا الوزن نحو شخصية تجلس أمامه، فإن الصورة توثق اعترافًا غير مكتوب بأن ما جرى لم يكن مجرد حضور على طاولة المفاوضات، بل ثمرة جهد شاق ومسار معقد فرض احترامه على جميع الحاضرين.

 

ووراء معوض كان يقف السفير سيمون كرم، ينظُر اليها مبتسمًاً، فيما تعكس وجوه أخرى في الخلفية ملامح ارتياح أو إعجاب بما يجري. لكن ووسط هذا المشهد كله، تبدو هي، السفيرة ندى معوض، مختلفة عن الجميع.

 

لا تبدو في الصورة امرأة تحتفل.

 

ولا تبدو امرأة انتصرت وتسترخي.

 

تبدو كأنها خرجت للتو من معركة.

 

في ملامحها أثر إرهاق من حمل مسؤولية ثقيلة. نظرتها لا تبدو محصورة بمن يقف أمامها، وكأنها تتجاوز حدود الغرفة والطاولة، وحتى لحظة التصفيق نفسها. توحي الصورة بأنها غارقة في ما يلي هذه اللحظة. فبعض الانتصارات في لبنان لا تمنح أصحابها رفاهية الاحتفال، ولا تأتي معها الراحة فورًا ،هي تولد محمّلة بثقل المسؤولية، وبإدراك أن المهمة لا تنتهي عند التوقيع، بل تبدأ بعده.

 

فلدينا في هذا البلد من أحب الحرب أكثر من السلام، ومن أحب الخراب أكثر من الإعمار، ومن اعتاد العيش على الانقسام أكثر من الاعتياد على الاستقرار ولذلك ربما كانت الصورة تقول شيئًا آخر: إن الذين يحملون مسؤولية الدفاع عن لبنان لا يحملون فقط عبء التفاوض، بل يحملون أيضاً عبء ما سيأتي بعده من انتقادات واتهامات وحملات وأثمان شخصية أحياناً.

 

لكن الصور التاريخية لا تحفظ الضجيج إنما تحفظ اللحظة فقط وتترك ما قبلها وما بعدها للتاريخ.

 

ولهذا اخترنا هذه الصورة لغلاف اليوم، من بين عشرات الصور التي التُقطت لأنها التقطت ما هو أعمق من الحدث نفسه فهي لم تكن صورة توقيع إنما “صورة معنى”.

 

كنت مع رئيس التحرير أمجد إسكندر، ونائب رئيس التحرير رامي نعيم، ومع أسرة التحرير، أمام أكثر من خيار، وهذه الصورة انتصرت في النهاية، لأنها التقطت لحظة إنسانية نادرة: لحظة احترام يتشكل بعد جهد طويل وتعب يتراكم تحت ثقل المسؤولية وإحساس داخلي بأن ما جرى هو أداء لواجب اقتضته الظروف مهما كان الثمن.

 

ولهذا ستبقى هذه الصورة.

ليس لأنها وثّقت توقيعاً.

 

بل لأنها وثّقت ما كان أثقل من التوقيع نفسه.