IMLebanon

هكذا يستثمر عون إشتباك ترامب – “حزب الله”

يضرب الرئيس ميشال عون يده على الطاولة كما لم يفعل رؤساءُ ما بعد “إتفاق الطائف”. هو لا يسأل: ما الصلاحيات التي يسمح “الطائف” بممارستها؟ بل يسأل: ما الصلاحيات التي يمنع “الطائف” ممارستها؟ وكلّ ما هو غير ممنوع يكون مسموحاً. والفارقُ كبيرٌ بين هذا المنطق وذاك. فهل عون مدعوم؟ وإذا كان كذلك، فهل الدعمُ داخليٌّ أم خارجيّ؟

في الصفقة التي أوصلته إلى الرئاسة، عرف عون كيف يكون حاجةً ماسّةً لخصومه قبل حلفائه، ولا سيما منهم الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع، فدعموا ترشيحه ووفّروا له ظروف انتخابه، مقابل مشاركتهم بقوة في السلطة.

واليوم، هو يقدِّم خدمة يريدها حلفاؤه في “حزب الله” في الدرجة الأولى: حمايتهم في المواجهة الآتية مع الرئيس دونالد ترامب.

لذلك، يستقوي عون سياسياً في الداخل. ويجزم بأنه لن يوقِّع أيّ مرسوم يقود إلى انتخابات لا يقتنع بها. وعلى رغم الجدل همْساً حول دستورية هذه الخطوة، فإنّ أحداً ليس في وارد المواجهة مع عون. وهذه سابقة في مراعاة موقع رئيس الجمهورية منذ “إتفاق الطائف”.

ولكن، كلّ ذلك لا يتمّ كُرمى لعينَي الرئيس. ففي السياسة، الكلمة للمصالح لا للعواطف ولا للمبادئ. وما يجري هو الآتي: “الأقوياء لا يريدون إغضابَ عون لأنهم يحتاجون إليه، والضعفاء عاجزون عن إغضابه لأنه يستقوي بالأقوياء. وهكذا، يتمكّن الرجل من طرح خياراته بقوة ومواجهة كثيرين”.

فالاشتباك الأميركي – الإيراني في الشرق الأوسط جاء يمنح عون ورقة صالحة للاستخدام فوراً. فترامب أعلن حربَه على إيران، لكنه لا يرغب في التعاطي مع لبنان بصفته إحدى ساحاتها. وهو يدرك أنّ استهداف “حزب الله” في لبنان، في ظلّ ما يمثله شعبياً على المستوى الشيعي، يشكّل مغامرةً بضرب الاستقرار اللبناني برمته.

وهناك قرعُ طبولِ حربٍ بين الرئيس الأميركي وإيران. ولكن، بالتأكيد، الحرب لن تقع، لأنّ ترامب لن يقوم بأيّ خطوة في الشرق الأوسط من دون التنسيق مع حليفه الروسي فلاديمير بوتين الذي تحادث معه طويلاً وسيلتقيه في الربيع المقبل. وفي أيّ حال، إنّ ترامب، المُحاط بفريق فيه من اللبنانيّي الأصل، يمتلك تصوّراً واضحاً عن خصوصية الوضع اللبناني.

ولذلك، هو لن يواجه إيران في لبنان، وسيبحث عن السبيل الأفضل لتحقيق ما يريده من “حزب الله”، من دون إقحام لبنان كدولة وإقحام الشيعة كطائفة. فهل يقود ذلك إلى تكرار تجربة جورج بوش الإبن، عندما سارع خصومُ “حزب الله” اللبنانيون إلى تقديم الحماية له، في ذروة الحملة الأميركية في 2005؟

يقول المتابعون لنهج ترامب إنه أكثر راديكالية من بوش في هذا الشأن، وقد يقتنع من القوى اللبنانية بمنحها- مجدداً- هامشَ التعاطي مع “الحزب” لدفعه نحو التزام القرارات الدولية، لكنّ واشنطن لن تتهاون في مراقبة التطبيق، من ضمن رؤيتها للمواجهة مع القوى المتطرّفة في الشرق الأوسط، التي يَعتبر ترامب أنّ “حزب الله” أحدُها.

وهنا تبدو أهمية وجود عون، الذي يحظى بثقة “الحزب”، في موقع رئيس الجمهورية. ويريد “الحزب” اليوم أن يتمسّك بصورة الدولة أكثر من أيّ يوم مضى لتمرير القطوع، وبعد ذلك يكون لكلّ حادث حديث.

والرهان هنا على عاملين:

1 – أن تقود موسكو وساطةً تخفّف تدريجاً من حدّة هجمة ترامب على إيران، ما يريح “الحزب” في لبنان.

2 – أن يقتنع ترامب بأنّ لـ“الحزب” دوراً في ضرب “داعش” والقوى التكفيرية الأخرى.

في أيّ حال، سيكون عون هو الأقدر على أن يشكّل صمّامَ أمان في المواجهة. ومن المفارقات أنّ حليف “حزب الله” المسيحي كان أحد الفاعلين في إنجاز القرار 1559 الذي يطالب ترامب بتنفيذه.

والأرجح أنّ التسوية هنا ستقضي بدفع “الحزب” إلى أن يقدّم مزيداً من التطمينات بتقليص دوره في الحرب السورية إلى الحدّ الأدنى، وتطمينات بعدم انزلاقه في أعمال “التهريب والتبييض” عبر الشبكات العالمية، ما يهدّد أوروبا والولايات المتحدة.

والأرجح أنّ مستوى الحملة الأميركية ضد “حزب الله” سيبقى عند ما كان عليه في عهد الرئيس باراك أوباما، أي فرض عقوبات على شركات وشخصيات يثبُت ارتباطها بـ”الحزب” الذي يبقى منظمة إرهابية وفق القانون الأميركي. ويرافق ذلك دفع السلطات التشريعية اللبنانية إلى المضي في إقرار التشريعات الضامنة ضد التبييض والتزوير، وفي “تنظيف” القطاع المصرفي اللبناني.

أما في موضوع النازحين، فالدعوة التي يوجّهها عون إلى إقامة “مناطق آمنة” في سوريا توفِّر عودةً للراغبين منهم، تتقاطع مع دعوة ترامب إلى إقامة “المناطق الآمنة” هناك.

ولم يسبق أن تقدَّم أيُّ مسؤول لبناني رفيع بطرحٍ عملاني يمكن أن يقود إلى حلحلة، ولو جزئية، في ملف النازحين. وعون مؤهَّل، من موقعه، لفتح خطوط الحوار مع الرئيس بشار الأسد حول الملف. وسيكون “حزب الله” أوّلَ الداعمين.

إذاً، لـ”حزب الله” وترامب مصلحة في أن يتمتع عون بهامش من القوة، كلّ من موقعه. وفي المقابل، هو يستفيد من هذا التقاطع. ويبدو أنّ التركيبة الحالية للسلطة في لبنان مناسبة للجميع في الداخل والخارج: عون – بري – الحريري. ولذلك، لن تكون هناك مفاجآت في هذه التركيبة بعد الانتخابات المقبلة.

فالمعادلة الحالية مطلوب استمرارها دولياً أيضاً. وهناك تمديد تقني للمجلس النيابي في المرحلة الأولى، ولكن أيّ انتخابات ستُجرى بعد ذلك لن تحمل تغييراً جذرياً. وتحت هذا السقف، يعرف عون مكانه فيتدلَّل. ولا بأس من المناورات لتحصيل المكاسب هنا وهناك، ما دام كلّ شيء تحت هذا السقف.