IMLebanon

الجنوب ليس وحيداً!

 

الأرقام التي نُشرت عن الخسائر في الجنوب اللبناني مثيرة للقلق والحزن في آن. أن يعيش أهالي الجنوب هذه المأساة المتكررة منذ الاستقلال اللبناني إنما يطرح إشكاليّة باتت تستوجب المعالجة، كي يكون الجنوب ولبنان محصناً ومنيعاً، والطريقة المثلى لتحقيق ذلك تكون من خلال التفاهم الوطني العريض على خطة دفاعيّة تستوعب كل الامكانيات والقدرات.

 

لا تخفي إسرائيل حقدها التاريخي على لبنان، وهي طبعاً لا تفوّت أي فرصة متوفرة لها (أو ممكن أن تفتعلها) لتنقضّ عليه تدميراً وقتلاً، وهذا شأنها في غزة والضفة الغربيّة وكل أرض عربيّة تطالها. وها هي تسعى لتحويل الجنوب إلى أرض محروقة من خلال الاستهداف المنهجي للمزارع والأحراش والغابات ومستودعات العلف وسواها من المواقع المهمة للزراعة والبيئة.

 

فقد وصلت مساحة الأراضي المحروقة بالكامل إلى أكثر من 2200 دونم، وتجاوزت مساحة الأراضي الحرجيّة والزراعيّة المتضررة 6050 دونماً، فضلاً عن حرق أكثر من 60 ألف شجرة زيتون معمّرة، واستهدف أكثر من 91 خيمة زراعيّة، و8 مزارع ونحو 3370 قفير نحل، فضلاً عن نفوق 340 ألف طير دجاج.

 

وقدّر المجلس الوطني للبحوث العلميّة حصول ما يزيد عن 4441 إعتداء واستشهاد أكثر من مائة مدني و700 جريح، فيما قدّرت «الدوليّة للمعلومات» حجم الخسائر الإجماليّة في الجنوب بنحو 350 مليون دولار وفي لبنان إجمالاً بما يزيد عن 1.6 مليار دولار. كما وصل عدد المنازل المدمرة في الجنوب بشكل كامل إلى 1700 منزل، في حين دمّر 1500 منزل بشكل جزئي، وتضرر 4100 منزل نتيجة القصف الإسرائيلي، وسُجل حتى الآن نزوح 90 ألفاً و500 مواطن جنوبي.

 

هذه الأرقام المخيفة تعكس العقليّة الإسرائيليّة التي فتكت بغزة وأهلها، ودمرت أيضاً في ما دمرت، المساجد والكنائس والمدراس والجامعات والمستشفيات، وصولاً إلى الأماكن الأثرية القديمة بالإضافة إلى ما يزيد عن 75 بالمئة من المساكن والبيوت بما يجعل غزة منطقة غير قابلة للعيش ويتيح تمدد الاستيطان اليها مجدداً. وإذا نفذّت إسرائيل تهديداتها بأن تجتاح مدينة رفح التي هرب إليها الفلسطينيون من القصف والدمار، فإن ذلك سوف يؤدي حتماً إلى كارثة إنسانيّة ومجزرة هائلة تُضاف إلى سجل المجازر الإسرائيليّة منذ احتلال فلسطين سنة 1948.

 

التذكير بهذه الأرقام والمعطيات يُستعاد فقط للتأكيد مجدداً على الحاجة الملحة لعدم إشاحة النظر عن ممارسات الإحتلال أو القول بأن ما يعيشه الجنوب، وهو جزء عزيز من لبنان، قد لا ينطبق على المناطق الأخرى التي لا تزال تنعم، حتى اللحظة، بشيء من الاستقرار الهش. وليس هذا الكلام لتبرير أي سلوكيات طرف داخلي أو للتغاضي عن حقيقة دامغة مفادها عدم السماح لأي جهة لبنانيّة بجر البلاد إلى حيث لا يريد الآخرون خدمة لأجندات أو مصالح معيّنة.

 

وإذا كان الوقت ليس مناسباً في هذه اللحظة المحتدمة والمشتعلة لإثارة النقاش حول الخطة الدفاعية المنشودة، فإنّ أوان هذا النقاش لا بد أن يحين قريباً بغطاء عربي وإقليمي يتيح للبنان ألا يبقى لقمة سائغة في مواجهة إسرائيل وأن يذهب في اتجاه بناء قدراته الدفاعيّة بالاستفادة أولاً من قدرات المقاومة وإمكانياتها وخبراتها الكبيرة، وأن تقوم فيه دولة محترمة وكلمتها مسموعة في الداخل قبل الخارج.

 

لا يستطيع أن يبقى لبنان في وحيداً في مواجهة الرياح العاتية، والخطوة الأولى تكون في تحصين الساحة الداخليّة والإقلاع عن سياسة المزايدات التافهة أقله في أشد الأوقات ضراوة بدل المجازفة بكل المرتكزات المحليّة، رغم عدم اكتمالها.