IMLebanon

صمود الطائف وسايكس بيكو

انتهى الشغور الرئاسي في لبنان وتوقف حوار الطرشان الذي لم يراعِ أبسط حدود المنطق على مدى أكثر من سنتين. الانسيابية والخطاب الهادئ اللذان تُبديهما الكتل السياسية في مسار تشكيل الحكومة لا ينتسبان الى الأدبيات السياسية اللبنانية المعهودة التي طالما شابها الفجور. يبدو المشهد اللبناني وكأنه جزء من مشهدٍ لتسويةٍ إقليمية قادمة، وتبدو إعادة الاستقرار السياسي الى لبنان إحدى تعبيرات هذا المشهد، وربما يمثّل دستور لبنان نموذجاً للتعميم على امتداد المنطقة المتناثرة مذاهب وأعراق من بيروت إلى صنعاء مروراً بدمشق وبغداد. اتفاق الطائف أثبت قدرته على الصمود في وجه كلّ الطموحات الإقليمية، لم يقتتل اللبنانيون برغم كلّ الإغراءات وربما لعبت التقاطعات الاقتصادية بين أركان التركيبة السياسية في لبنان دوراً كبيراً في الحدّ من تأثير هذه الإغراءات. الاتصالات المهنئة بانتخاب رئيس للجمهورية والتي تُوّجت بزيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، سبقته بساعات زيارة وفد سوري الى القصر الجمهوري وزيارة سفراء دول مجلس التعاون الخليجي للرئيس سعد الحريري، كلّها تقدّم دليلاً على استكمال اختبارات المناعة وإعادة تكريس اتّفاق الطائف كأفضل الممكن.

تبدو الساحة السورية على قاب قوسين أو أدنى من الدخول في ستاتيكو مع كلّ وقف لإطلاق النار في حلب على طرفيّ خطوط التماس بعد انسداد الأفق السياسي واستحالة تحقيق انتصار عسكري حاسم. في النطاق السوري مأزق روسي تركي إيراني عربي. لم تعدّ حلب ميداناً للصراع المحلي، هي ميدان صراع دولي تتقاتل على أرضها قوات أميركية وروسية وإيرانية وأفغانية وتركية ومجموعات إسلامية من أكثر من هوية. الفصائل الموجودة في حلب الشرقية وتحديداً تحالف جيش الفتح، لا تقبل الدخول في عملية سياسية مع النظام وهذا ما يُسقط صيغة لا غالب ولا مغلوب التي قامت عليها رؤية جنيف. الأفق مسدود أمام موسكو والخياران المتاحان إما معاودة القصف أو الخضوع لشروط التفاوض. المأزق الكبير أمام موسكو هو مَن سيفاوضها وماذا لديها لتتنازل عنه، التفاوض بحاجة إلى طرفين، من يحوّل مكاسب موسكو العسكرية الى مكاسب سياسية، سيما انّه ليس أمامها ما تفاوض عليه سوى مستقبل الرئيس بشار الأسد.

مأزق تركيا في سوريا يتمثّل بمحاولتها الجمع بين إزدواجيتين من الولاءات، الازدواجية الأولى تتمثّل بالانتماء إلى حلف شمال الأطلسي والصلات مع أوروبا والتطبيع مع روسيا من باب الطاقة في آن، والازدواجية الثانية تتمثّل بالحفاظ على العلاقة الاقتصادية مع إيران من جهة، والعلاقة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية من جهة أخرى. على المستوى الميداني يستعجل الرئيس أردوغان قوات درع الفرات الدخول الى مدينة الباب، بينما يبقى دخول مدينة منبج مرتبطاً بقبول حلفائه الأميركيين التخلي عن وحدات الحماية الكردية. وعلى جبهة الرقة تُجاهر قوات سوريا الديمقراطية بإطلاق عملية تحريرها بينما لا يقبل أردوغان بدخول أي طرف غير عربي إليها، وفي الوقت عينه لا تقبل روسيا المزيد من تمدّده واقترابه من منطقة نفوذها في شمال سوريا. ما الذي يدفع نائب قائد فيلق القدس الإيراني العميد إسماعيل قاآني، في احتفال تأبيني للعميد حسين همداني الذي قُتل في ضواحي مدينة حلب العام الماضي، إلى القول بأنّ الحرب في سوريا ستنتهي مطلع آذار المقبل، مُعتبراً أن الحرب في سوريا في غاية الصعوبة؟

إعادة الاعتبار الى النموذج اللبناني والاحتضان الدولي والإقليمي لانتخاب رئيس الجمهورية وتركيز خطاب القسم على التمسك باتفاق الطائف سينسحب على المنطقة، فوراء وقائع الميداني في سوريا وسواها هناك وقائع الاقتصاد وحدود النفوذ الإقليمي. لقد كُتب الكثير من السيناريوهات وكثير من الخرائط قد رُسّمت، لكن المرجّح أنّ مقولة سقوط حدود سايكس – بيكو قد غابت إلى غير رجعة وما يجري هو إعادة تركيب للكيانات المشرقية من الداخل وفقاً لتسويات تشابه التسوية اللبنانية في الطائف.

سوريا الجديدة في ظلّ سايكس بيكو، ربما هي الأقرب للذهاب الى تسوية في توزيع السلطة على غرار الطائف تحفظ مناطق النفوذ التي انتزعتها القوى الإقليمية على قاعدة توزيع السلطة بين الطوائف. فهل يصبح الطائف نموذجاً يُحتذى لبناء الدولة في المشرق العربي؟

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات