عاصفة التشكيل مستمرة!

 

 

تتوالى العواصف الطبيعية لتفضح هشاشة البنى التحتية التي نهشها الفساد والصفقات قبل أن تُجهز عليها العوامل الطبيعية، كما تتوالى الاستحقاقات السياسية لتكشف فداحة التمادي بتأجيل تأليف الحكومة وجملة الانعكاسات التي تضرب النمو الاقتصادي والاستقرار النقدي إضافة إلى الأزمة الاجتماعية والمعيشية غير المسبوقة.

لقد أُستنزف التشكيل بربطه بشتى العراقيل على مختلف المستويات، فتراوحت العقد من درزية وسنية الى ثلث معطل وصولاً إلى ربطها مؤخراً بخواتيم الأزمة السورية وكيفية تعاطي جامعة الدول العربية معها، مما يزيد الوضع تعقيداً ويُرحّل الأزمة إلى أجل غير مسمى.

وعلى الرغم من أن أي من الأزمات المعيشية القائمة، والتي توّجتها أضرار العاصفة الأخيرة، لم تشكل أية عوامل ضغط حقيقية تدفع أطراف الصراع إلى تقديم بعض التنازلات تعبيراً عن نيّة جدية للخروج من المأزق الحالي، نرى الظروف الإقليمية تعيد لبنان تحت المجهر، عبر استضافته للقمة العربية الاقتصادية، والتي تحوّلت، كما كل شيء في لبنان، إلى مادة خلافية… فمسلسل الفرص الضائعة لا يريد أن ينتهي، فلم يُسمح للبنان أن يُحيّد نفسه عن الحرب السورية فضاع في دهاليزها وغرق داخلياً في الخلافات التي عطلت إنتاجيته وشلت مؤسساته، واختلقت هوّة بينه وبين أشقائه العرب مما شكل ضربة موجعة لاقتصاده، وانسحب الانقسام الداخلي ليعطّل العمل في ملف النفط، حيث يغيب الموقف الرسمي الموحد في مواجهة التدخل الإسرائيلي لاغتصاب حق لبنان بما هو له، أضف إلى ذلك، أن لبنان لم يعد محط اهتمام الدول الصديقة والشقيقة بعدما تغيّرت الأولويات، وانتهت فترات السماح عند الكثيرين، جاء «سيدر» كبارقة أمل لدعم اقتصاد الوطن الصغير المتهالك، إلا أن قافلة الفرص الضائعة خطفت أموال المؤتمر، وهي أقرب إلى إخفائها دون عودة في حال استمر غياب الحكومة الأصيلة مع سياسات محاربة الفساد المنتظرة، والتي لا يبدو أن أياً من الفرقاء المعنيين مستعد لإنقاذها إذا ما تطلب ذلك تقديم بعض التنازلات من حصصه التي باتت أهم وأغلى من الوطن والمواطن الذي كرّس هذه الطبقة الحاكمة في مراكز القرار متنازلاً عن أبسط حقوقه في المساءلة والحساب.

أما الاجتماعات التي تلت فضائح نتائج العاصفة فجاءت سطحية وباهتة، وفشلت في تحميل المسؤولية للفاسدين والمقصرين، بل على العكس، أمّنت الغطاء عبر سرد ما هو معلوم أصلاً وإطلاق الوعود الواهية في المستقبل القريب.

وأما القمة الاقتصادية المقررة  في بيروت في العشرين من الشهر الحالي، والتي يفترض أن يستفيد من خلالها لبنان من سياسات التنمية ويعيد الحياة لخطوط التعاون الاقتصادي مع الدول الشقيقة والتي تعطلت منذ فترة، فقد تحوّلت لمادة تجاذب، يحاول كل فريق تسجيل مواقف تخدم أجنداته الخاصة، منادياً بوجوب دعوة سوريا أو عدم دعوتها، في حين الأجدى لجميع الأفرقاء، دون استثناء، العمل على تحرير مسألة تشكيل الحكومة من هذا الاشتباك الإقليمي ذات الأبعاد الدولية، والدفع لإعلان الحكومة بأقرب وقت حتى يتم وضع نهاية لمسلسل الفرص الضائعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مؤسسات الدولة وإعادة ثقة المواطن المفقودة، وترميم صورة الدولة التي باتت أقرب إلى المارقة من خلال تغطيتها للفساد وفشلها في تحقيق التزاماتها تجاه المجتمع الدولي!!