استراتيجية الوفد اللبناني لمؤتمر بروكسيل

 

يستمر الانقسام بين اللبنانيين، والذي كان قد بدأ مع بداية الأزمة السورية عام 2011، الى فريقين: الأول يؤيد الثورة والمعارضة ضد النظام، والثاني يؤيد النظام ويسانده سياسياً، ويدعمه عسكرياً. وفشلت الحكومات المتعاقبة في اعتماد وتنفيذ الخيارات السياسية التي تحقق المصلحة الوطنية، بحدها الأدنى، وهذا ما يؤشر اليه التقاعس الحاصل في تنفيذ متطلبات سياسة «النأي بالنفس» والفشل المتمادي في بلورة سياسية فاعلة لمعالجة ازمة النازحين السوريين المتفاقمة، والتي تهدد بالتحول الى أزمة «مصيرية».لم يهدأ هذا الخلاف بين اللبنانيين بالرغم من الهدوء الذي ساد على جميع الجبهات السورية، باستثناء جبهة دير الزور، والتي تشهد الآن آخر فصولها  لإنهاء ما عرف بالدولة الإسلامية. يتخذ الخلاف اليوم صيغة الاختيار بين البحث عن حل لمشكلة النازحين وبين التطبيع مع النظام السوري، وإعادة الحياة الى الاتفاقيات الموقعة بين البلدين اثناء فترة الوصاية، وبالتالي العودة الى العلاقات «المميزة».

عشية سفر وفد لبناني برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري، يضم عدداً من الوزراء الى مؤتمر بروكسيل – 3 لبحث مسألة اللاجئين السوريين يتجدد الخلاف حول تشكيلة الوفد، وخصوصاً لجهة عدم ضم وزير الدولة لشؤون النازحين السوريين صالح الغريب الى عضويته.

في المقابل لم يسأل أحد من المعترضين على تشكيل الوفد عن ماهية الطرح السياسي لمعضلة النازحين أمام المؤتمر، وبالتالي التأكيد على مدى الأهمية التي يعلقها لبنان على عودتهم في أقصر مهلة ممكنة، وهو الأمر الذي بات يؤرق معظم اللبنانيين. فالمسألة الأساسية التي يفترض أن يرفعها لبنان أمام مؤتمر بروكسيل لا تتعلق بحجم المساعدات المالية التي سيتلقاها من الدول المانحة، لتخفيف أعباء النزوح بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، على غرار ما كان موقفه في المؤتمرين السابقين، بل باتت تتعلق بالطلب الى المجتمع الدولي، وخصوصاً أصدقاء لبنان الأوروبيين، لاعتماد سياسة واضحة تسهل وتسرّع عودة النازحين الى بلدهم، وبالتالي عدم انتظار التوافق على حل سياسي للآزمة السورية، حيث تبدو إمكانية تحقيق ذلك شبه معدومة ، في ظل تعنت النظام السوري ورفضه تقديم أية تنازلت سياسية، وفي ظل اندفاعة قوى دولية وإقليمية لتحقيق مصالحها على حساب وحدة التراب السوري ومصالح الشعب ومستقبله.

بعيداً عن التوظيفات الداخلية «الرخيصة» التي اتسمت بها جميع المقاربات اللبنانية السابقة لملف النازحين، لا بدّ أن يبادر رئيس الحكومة الى طرح مخاطر النزوح السوري على مستقبل لبنان، متسلحاً برسالة التحذير الصادرة عن الفاتيكان، والتي مفادها بأنه ليس لدى المجتمع الدولي أية رغبة في إعادة النازحين، وهو الأمر الذي سيفضي الى توطينهم حيث هم.

تقع على الرئيس الحريري كامل المسؤولية الوطنية لإبلاغ المؤتمر بضرورة الإقلاع عن سياسة «التمييع» وشراء الوقت ، لمنع تدفق مزيد من اللاجئين السوريين باتجاه القارة الأوروبية، وبأن الحل المطلوب لم يعد يقتصر على تأمين الأموال اللازمة لتخفيف الأعباء الاقتصادية والخدماتية عن المجتمع المضيف، بل بات يتعدى ذلك الى اتخاذ قرار حازم بضرورة عودتهم الى بلدهم، وممارسة الضغوط اللازمة على النظام السوري لتقديم كل التسهيلات والضمانات الضرورية لتسريع هذه العودة.

في رأينا، يفترض في الرئيس الحريري أن يرفع الصوت في المؤتمر، رافضاً السياسة المعتمدة من قبل المنظمات الإنسانية الدولية في موضوع عودة النازحين، والتي تعطي لكل منهم حق اختيار الظروف والتوقيت لتقرير عودته بنفسه، لأن مثل هذا الاختياربات يشكل فعلياً تشجيعا ودعوة ضمنية للبقاء والتوطين.

يمكن للبنان أن يقدم للمؤتمر استراتيجية عملية لتسهيل عودة النازحين من خلال التأكيد على أن التطورات الميدانية والاجتماعية التي شهدتها سوريا خلال عام 2018 تؤمن الضمانات المطلوبة لعودة معظم النازحين، باستثناء المطلوبين من قبل النظام لأسباب امنية. ولا بدّ أن يقدم رئيس الحكومة الحجج اللازمة حول الظروف الملائمة لعودة النازحين ضمن خطة منظمة ومبرمجة، استناداً للمعطيات الآتية:

1-الظروف الأمنية والتي باتت متوافرة في معظم الأراضي السورية بعد انتهاء القتال واجراء المصالحات برعاية روسية.

2-تأمين سبل الحياة، وفرص العمل سواء في المدن أو في الزراعة في الأرياف هي متوافرة وشبه مضمونة مع عودة كل نازح الى مجتمعه الأصلي.

3-يمكن لمعظم النازحين العودة الى منازلهم وارضهم وارزاقهم والعمل على إصلاحها، وذلك قياساً على ما حدث في العراق ،حيث عاد معظم النازحين الى مناطقهم.

4-يسيطر النظام السوري على جميع المناطق الآهلة وهو يؤمن لها الخدمات اللازمة وخصوصاً الماء والكهرباء.

يمكن في ظل الظروف الراهنة في الداخل السوري أن يعود النازحون لمعاودة حياتهم ونشاطاتهم الاقتصادية، وخصوصاً إذا ما جرى ربط الحصول على المساعدات الدولية مستقبلاً بقرار العودة، مع ضمانة وصولها لهم داخل سوريا.

في النهاية اذا توافرت الحكمة والنية الحسنة لدى المؤتمرين في بروكسيل فإن بمقدورهم بذل مساعيهم الحميدة مع النظام السوري ومع روسيا لإقناعهما بضرورة تسهيل العودة لقاء وعود بتقديم مساعدات مالية لتحسين البنى الأساسية والخدماتية.