عقد متتالية وأزمات متلاحقة وحلول تنتظر التطورات

 

على ضوء المستجدات الملتهبة، بالإمكان أن نبدأ من الأحداث الطارئة التي اندلعت فجأة، في ليل ليس له ضوء قمر، لنتلقى النتائج العملانية على هذه الساحة اللبنانية المنكوبة. بالإمكان أن نبدأ من إيران ومن صراعاتها مع الولايات المتحدة ومن الحرب التي يخوضها ترامب مع النظام الإيراني القائم وفصائله الثورية المتمثلة بالحرس الثوري، ومن الأخطار التي يمثلها هذا النظام نتيجة لممارساته الإقتحامية ومحاولاته لتصدير الثورة الإيديولوجية إلى ما أمكنه من بلدان محيطه العربي والإسلامي، فضلا عن وسائله العسكرية وأسلحته الصاروخية المتطورة التي ينمّيها ويطورها باستمرار، ويتحوط العالم الغربي عموما والولايات المتحدة خصوصا، منعا من وصولها إلى مرحلة بالغة التطور، وبالتالي قادرة قولا وفعلا على بلوغ صواريخها التي ربما حملت في يوم من الأيام قنابل قد تكون ذرية، ومنعا من بلوغ الهجمة الاكتساحية لإيران، مجمل العالم العربي بثرواته المختلفة وممراته المائية الاستراتيجية، وسوقه التجاري الواسع، ومنعا من قيام منطقة مدججة بالسلاح وبالأخطار وبالتعديات المؤثرة بقيادة إيرانية لا تخفي عداءها الشديد للولايات المتحدة، وطموحها لأن تكون، هي الجهة التي تمسك بمقاليد الأمور في المنطقة التي ملأتها بأسراب واسعة من الميليشيات التابعة لها، ولنا بما هو حاصل فعلا في لبنان وسوريا والعراق، أبلغ دليل على ذلك.

بدأنا بهذه الوقائع المشهودة والمتأججة بأحداثها المستجدة على مجمل ساحاتنا التي تلقت منذ أمد بعيد، أوامر إيرانية تدعو إلى وضع اليد على الأراضي والدول والمؤسسات التي طاولتها القوى الميليشياوية بنفوذها وأوامرها.

في سوريا… بالرغم من كل المظاهر التي يشيعها البعض بأن النظام السوري وفي صلبه إيران، قد قلبت الأحوال والأوزان والوقائع رأسا على عقب، فان سوريا تقبع حاليا تحت سيطرة كاملة لعملية وضع اليد، التي ألقت روسيا بأثقالها عليها أرضا ونظاما وجيشا ومؤسسات، ويبدو أن التوجهات الدولية جميعا قد أطلقت يد الروس في حاضر ومستقبل الوضع السوري كما أجمعت على إخراج إيران من مجمل الأراضي والأوضاع السورية، وما هو مقبل من الايام سيشهد على ما يبدو تطورات دراماتيكية تتحقق من خلالها هذه المقررات وهذه الغايات التي وزعت قالب الجبنة شرق الأوسطية فيما بين القوى التي تمكنت من وضع أثقالها ومد أياديها وأصابعها إلى الاماكن والغايات التي تأملها تلك الجهات في هذه الدول العربية المنكوبة بأنظمتها وحكوماتها وأوضاعها السيئة، فإضافة إلى ما هو قائم ومتوقع لسوريا، هناك ما هو قائم ويُشغل له في العراق وحكومته التي تُسلّم على حكومتنا وعثرات تأليفها ومحاولات إيران الإطباق على مفاتيحها ومواقعها، وإلى الأوضاع الملتهبة في اليمن إلى الحدود التي باتت تستلزم حلولا مقبلة، تصحح الأوضاع وتكّف اليد الإيرانية عن التدخل في الشأن اليمني وما يستلحقه من تحسبات واجراءات عملانية بشأن الممرات المائية.

ونعود إلى ما يهمنا من هذه المنطلقات المذكورة: الشأن اللبناني.

ها هي الدنيا لدينا تلتهب بالتطورات الخطيرة القائمة.

ها هو لبنان كله يغلي بجملة من الإختلاقات المتتالية بتوقيت مدروس ومبرمج، هذه هي عقد تشكيل الحكومة تأخذ أشهرا طويلة للحل حتى إذا ما انتهينا من العقدة المسيحية ومن العقدة الدرزية، نستفيق ليلة اتفاق الرئيسين عون والحريري على تركيبة التشكيل على عقدة وضعت في ليلة ليلاء سميت العقدة السنية بعد أن استجمعت لها تركيبة مؤلفة من ست نواب لهم انتماءاتهم الحزبية والجهوية الثابتة والمعروفة، وطلب إلى الرئيس الحريري أن يلحق واحدا من نوابها في وزارته ومن حصته، فكأنما ما تبقى له من حصص وزارية هزيلة أمر مقرر لتقزيمه وتقزيم الحجم السني في الحكم، ولم يمانع الحزب ولم يمانع تجمع النواب الستة في أن يكون هذا الوزير من حصة رئيس الجمهورية البالغة أحد عشر وزيرا ضامنا لقدرته على التمتع بأغلبية الثلث المعطل، وكان ذلك هزة أصبع من الحزب كي لا تكون هناك قوة لها شأن غير عادي في التركيبة الوزارية المقبلة قادرة على أي تمرّد قد يطاول مخططات بدأ رسمها للحياة السياسية اللبنانية بدءا من توسيع قدرة الحزب العسكرية واستكمالا للإمساك شبه الكامل بالسلطة التشريعية، ووصولا في مطاف لاحق إلى الإمساك بالقرار الوزاري والسلطة التنفيذية.

وبالطبع، الرئيس الحريري على سلاسته في التعامل، ورغبته الصادقة في تسهيل مسيرة الأوضاع إلى ما ينقذها من عثراتها القائمة وفي طليعتها الوضع الاقتصادي الخطير الذي غطس اللبنانيون جميعا في مطباته، إلاّ أن ما بات مكشوفا له ولمحيطه، أوقفه عند حدود الرفض القاطع لكل هذه التوجهات المستجدة والتي أسفرت عن سلسلة من المقررات العملانية التي باتت تظهر للعلن بشكل مكشوف، فما إن استهلت جهود كثيرة بينها جهود الوزير باسيل لحلحلة الأوضاع وإيجاد حل لمعضلة تشكيل الحكومة حتى برز إلى الساحة مدفوع آخر إليها مختلقا ذلك الإشكال الحافل بالتعرض لسمعة وأعراض كبار القوم وأشرفهم وأبرزهم في ساحة العطاء الوطني والسياسي وفي إعادة البلاد إلى لحمتها ومسيرتها الطبيعية، وكان المقصود تلك الهزة التي حصلت والتي أسفرت عن رفض شعبي لرذالات باتت تتكرر دون ضوابط ودون حدود، وبتخطيط مدروس لجملة من اللواحق التي تمنع من تأليف حكومة جديدة ومتابعة الإجراءات الاقتصادية التي أسفرت عنها جهود الرئيس الحريري في مؤتمر سيدر، ولم يكتف الوهاب بما أسفر عنه لسانه الطويل، بل أرسل أرتالا مسلحة أُلحقت بها عناصر «غريبة» فجالت أنحاء الجبل بسلاحها الكامل مرورا بقرى درزية رئيسية وفي طليعتها المختارة، وكأنما كانت محاولة لاستنهاض غريزة مذهبية ما في صلب المجتمع الدرزي الذي يقوده الزعيم جنبلاط، فأدرك معاليه فورا خفايا وخبايا هذا التصرف المشبوه، وعمد هو وقيادات حزبه ومعه شيخ عقل الدروز نعيم حسن إلى استدراك مشروع الفتنة المخطط له بخبث وعناية ونزع ما أمكن من أطراف الفتيل التفجيري المعد لهذه الغاية.

وصلنا إلى هنا، فهل من مزيد؟ هل تُختلق عقد جديدة وفتن جديدة ومطبات جديدة، والهدف: منع الاستقرار في هذا البلد، من خلال ما هو حاصل وما قد يحصل لاحقا؟ أسئلة عميقة المحتوى، ومقلقة في احتمالات نتائجها. مجددا نقول: وقى الله لبنان من هذا الإعداد المحتمل لعمليات جراحية ميثاقية الطابع وخطيرة المرامي والأهداف.