IMLebanon

السودان يُعبّد طريق الخروج من محنته بالإصلاح… فمتى يحين دور لبنان؟

 

شطب للديون ومساعدات بمليارات الدولارات وتسويات كبيرة قائمة على إصلاحات جدية

 

يُشكّل السودان المثال الحي الأقرب إلى الواقع، لما يمكن للإصلاحات أن تفعله بالدول المأزومة. العبَر التي يمكن استخلاصها من تدفّق المساعدات وشطب جزء من الديون وإعادة هيكلتها وعقد مؤتمرات الدعم كثيرة، أهمها أمران: لا إنقاذ من دون تغييرات سياسية وإقتصادية جوهرية، وأن الخروج من المأزق ممكن أن يكون بفترة قياسية.

 

في الوقت الذي كان يتخبط فيه لبنان منتصف العام 2020 بخطط الإنقاذ العديدة، والصراع على “جنس” توزيع الخسائر، كان السودان يسير بخطوات واثقة نحو الخروج من أزمته المالية الهيكلية. أوجه التشابه بين لبنان والسودان عديدة. فالدولتان مرهقتان بدين عام كبير وتعانيان من ارتفاع نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي. فديون السودان تصل إلى 60 مليار دولار مقارنة مع ناتج لا يتجاوز 34 ملياراً، أي أن نسبة الدين إلى الناتج تبلغ 176 في المئة. في حين تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج في لبنان 178 في المئة إذا اعتبرنا أن الدين العام 100 مليار دولار وأن الناتج 56 ملياراً. مع العلم أن النسبة تغيرت كثيراً مع انهيار الناتج إلى 18.7 ملياراً بعد الأزمة، وتراجع سعر الصرف. نسبة انكماش الإقتصاد السوداني تجاوزت (-8%) ووصلت إلى (-25%) في لبنان. معدل الفقر في السودان مقدر بنحو 65 في المئة وفي لبنان يتجاوز 55 في المئة. الدولتان تعانيان من ارتفاع نسب التضخم، حيث فاقت نسبة التضخم في السودان 342 في المئة، وتخطت 365 في المئة في لبنان. الفساد مستشرٍ في كلتا الدولتين ومعدلات البطالة مرتفعة جداً، وخصوصاً في أوساط الشباب.

 

الفوارق كبيرة أيضاً

 

الفوارق بين لبنان ودولة السودان كثيرة أيضاً، فالأخيرة توصلت في حزيران 2020 إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي تعهدت بموجبه بإنجاز مجموعة من الإصلاحات خلال مهلة عام، مقابل وعد “الصندوق” بفتح أبواب التمويل والإستثمار الدوليين في القطاعات الإنتاجية والبنى التحتية، وخلق فرص العمل للمواطنين بمجرد اكتمالها. فيما فشل لبنان بعد 17 جلسة مع ممثلي “الصندوق” في الإتفاق على البديهيات، وعلقت الجلسات بعد آب 2020. ألغى السودان دعم الوقود، وخفض قيمة عملته، وأقر قانون مكافحة الفساد، في حين يستمر لبنان بدعم المحروقات بأكثر من 2 مليار دولار، يهرّب 35 في المئة منها إلى الخارج، وفقدت عملته اكثر من 80 في المئة من قيمتها، ولا يزال يتمسك بسعر صرف رسمي يبلغ 1515 ليرة مقابل الدولار، ولم يعين بعد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. بدأ السودان العمل على إصلاح بيئة الإستثمار، وأعد ونشر قوائم حصر لجميع الشركات المملوكة من الدولة، وتعهد باصدار مراسيم ضمان الملكية وإجراء الرقابة الشفافة على جميع مؤسسات الدولة، فيما لبنان يعجز عن إصدار رقم موحد، وهناك استحالة في الوصول إلى المعلومات ولم ينجز قانون الشراء العام. عدل السودان قانون مصرفه المركزي لتكريس استقلاليته وإنشاء نظام مصرفي فعال يتماشى مع أولويات الدولة ومصلحة المواطنين برأسمال متكامل، ولبنان عاجز منذ أكثر من سنة عن المباشرة بالتدقيق الجنائي في “المركزي” رغم رفع السرية المصرفية. تعهدت حكومة السودان بدعم الأسر السودانية في المرحلة الإنتقالية، فيما لبنان يتخبط في بطاقته التمويلية “التمويهية”، وعجزه عن تقديم العون لـ 800 ألف عائلة أصبحت بحاجة إلى المساعدة الفورية.

 

المليارات تتدفق إلى السودان ولبنان يشحذ الدولار

 

بالفعل، بدأت في اليومين الماضيين تتكشف في مؤتمر باريس نتائج إيفاء السودان بكل الشروط اللازمة للإنضمام إلى “مبادرة دعم الدول المثقلة بالديون”. فشطبت فرنسا 5 مليارات دولار من ديونه، ومنحته قرضاً بـ 1.5 مليار دولار. وأعلنت السعودية عن منحة بقيمة 20 مليون دولار. وتعهدت ألمانيا بتقديم المزيد من المساعدات، بعدما كانت أعطت السودان في مؤتمر برلين العام 2020 ما يقارب 1.8 مليار دولار، مضافة إلى 1.15 مليار كانت قد منحتها الولايات المتحدة للسودان لتسوية ديونه. أمّا في لبنان فان “المسؤولين ما زالوا يضيعون الفرصة تلو الأخرى منذ باريس واحد في العام 2001، مروراً بمؤتمر سيدر في العام 2018، ووصولاً إلى تفويت فرص الإتفاق مع صندوق النقد الدولي”، يقول الخبير الإقتصادي د. أنيس أبو دياب. فـ”مشهدية الأمس في فرنسا تعيدنا إلى واقع لبنان قبل نحو 20 عاماً حين كان يعاني من عجز في ميزان المدفوعات، وإحتياطي عملات أجنبية أقل من مليار دولار وغيرها الكثير من المؤشرات السلبية. وقتذاك تعهد لبنان بالإصلاح وأعاد “السمفونية” نفسها عند كل حاجة للمساعدة ولكنه لم يحقق شيئاً يذكر، وتحديداً في مجال الكهرباء”. وللأسف فان هذه السلطة السياسية تمعن بحسب أبو دياب “بنحر اللبنانيين لانها لا ترغب بالإصلاح خوفاً على مواقعها. فالإصلاح يؤدي إلى تراجع الدويلة وتقوية الدولة، وهو ما ليس من مصلحة أحد من الطبقة الحاكمة”. وبرأي أبو دياب “لو باشر لبنان بالإصلاحات قبل 18 شهراً، لكنا بدأنا اليوم نخرج من الأزمة ونحقق نمواً إقتصادياً بين 2 و3 في المئة. وما يساعدنا ويميزنا عن بقية الدول التي تعاني من الأزمات، هو وجود طاقة إغترابية تحوّل ما لا يقل عن 7 مليارات دولار سنوياً إلى الداخل اللبناني”.

 

الإختلاف في تركيبة الدين العام تصب في مصلحة لبنان… ولكن

 

خلافاً لشكل الدين العام اللبناني الذي بمعظمه داخلي، يعتبر دين السودان البالغ حوالى 60 مليار دولار خارجياً بنسبة 100 في المئة”، يقول الخبير الإقتصادي فادي جواد. فنادي باريس يحمل 19 ملياراً، وتحمل الدول خارج هذا النادي، وفي مقدمها الكويت، ما يقارب 19 ملياراً (الكويت وحدها تحمل ديناً بقيمة 10 مليارات دولار على السودان) وهناك 4.9 مليارات كديون تجارية، و4.6 مليارات تحملها مؤسسات دولية. وعلى الرغم من أن معالجة الديون الخارجية تعتبر أصعب بكثير، وتتطلب شروطاً أقسى من معالجة الديون الداخلية كحالة لبنان، فان “ما حدث في السودان في الفترة القريبة الماضية هو صفقة سياسية برضى أميركي، أكثر منها إقتصادية”، برأي جواد. فـ”أخرج السودان من لائحة العقوبات، وأدخل عليه صندوق النقد والبنك الدوليين لمساعدته على الخروج من أزمته الإقتصادية وتذويب ديونه، تمهيداً للوصول إلى تحقيق إيرادات كبيرة والإستفادة من ثرواته ومواده الأولية. هذا التطور يأتي بعد صراع جيوسياسي على السودان لعبت فيه تركيا في الفترة الماضية دوراً أساسياً”. وبحسب جواد فان “الصوت السياسي هو المُرجِح دائماً في معالجة أزمات الدول الفقيرة ومنها لبنان. من هنا وعلى غرار السودان، فان قبول لبنان القرارات الدولية وموافقته على تسوية ملفات مهمة مثل النفط والغاز والصراع مع إسرائيل، والحياد تساعده على الخروج من أزمته، وتذلل العقبات في ما خص معالجة الدين وتوفير التمويل”.

 

التأثير الكبير للخروج من الملفات الاقليمية الضاغطة على الوضع الإقتصادي، لا ينفي ضرورة الإصلاح الداخلي. فهذان الخطان يجب ان يسيرا بشكل متوازٍ لكي يخرج لبنان من أزمته، والسودان يبقى خير دليل على ذلك.