IMLebanon

الانتحار وكيف لا نفهم..

حرب عالمية على الإرهاب منذ بضعة عقود. إجراءات أمنية في كل مكان في العالم. أجهزة مراقبة في كل الشوارع والمرافق العامة. عديد الأجهزة الأمنية يتضخم أكثر بكثير من أي وقت مضى. رغم ذلك يتوسع الإرهاب، وبالمقابل تتوسع الحرب ضد الإرهاب، أفقياً بالنسبة لشمولها مناطق أوسع، وعمودياً لشمولها مزيداً من النشاطات البشرية.

يشير توسع الإرهاب إلى فشل هو في حقيقته عجز النفاذ إلى النفس البشرية، عجز عن تقدير أفعال البشر ومآلاتها، عجز عن منع الأفعال الشريرة، عجز السلطة في أنحاء العالم عن فرض سيطرتها على البشر. الحلول دائماً أمنية. وهذه عرضة للاختراق مهما كان إحكامها.

في لبنان، بلدة القاع، ثماني عمليات في يوم واحد. في إسطنبول ثلاث عمليات في وقت واحد. في لبنان الامن متراخ بمقدار تراخي قبضة السلطة على الوضع. هيبة الدولة غائبة إلا الجيش الذي يتطلب دعمه الكثير من الماديات والمعنويات، الدولة مشلولة والمجتمع يعاني انقسامات وتشنجات حادة، والحوار بين الطوائف يدور حول الحصص أكثر بكثير مما حول أمن الناس من ناحية، أو إنجازات تجعل حياتهم أقل صعوبة، تساهم السلطة في إيقاد الجحيم.

في تركيا دولة ذات هيبة، قبضة أمنية صارمة، تعاطف دولي بإجماع. السلطة هناك ليست مهزلة، لا يحتاجون إلى نصائح لانتخاب رئيس ومستلزمات الدولة. يحتاج الانتحاريون إلى أكثر من نزهة كي يخترقوا الموانع ويصلوا إلى أهدافهم. عفواً، في لبنان نعرف الإصابات وموقع الجريمة، لكن التخيلات حول الأهداف «الحقيقية» ما زالت تتوالد.

يبدو أن السلطات جميعها، بما فيها الأمنية والمعرفية، لا تعرف هذا الانتحاري أو ذاك، لا تعرف آليات تفكيره. لا يمكن إجراء مقابلة للتحقيق معه بعد الموت. ولا تظهر عليه علامات عما ينوي فعله قبل الموت. نتبلّغ بعد الموت فقط أنه فعل كذا وكذا. ظاهرة جديدة، تتكاثر في غرب العالم الإسلامي، وهي شبه منعدمة لدى العالم الإسلامي الآسيوي، تتركز تقريباً عند العرب خاصة في المشرق. لا يجرؤ الكثيرون من المحللين ربط ذلك بالأوضاع السياسية، بالحروب الأهلية المتواصلة.

هي ظاهرة حديثة في هذه المنطقة. الوعود بالجنة لا تكفي للتفسير، إذ إن هذه الوعود متاحة منذ 1500 عام بل منذ بداية الأديان السماوية. ظاهرة فدائيي الحشاشين مختلفة؛ غالباً ما يستخدم إسم «الحشاشين» للإيحاء بحالة نفسية تقود إليها المخدرات. وهذه كانت متاحة في كل مراحل التاريخ ولم تستخدم إلا في مرحلة سياسية معينة. كان هناك انتحار جماعي لدى مدن تحت الحصار، كما صيدا في مواجهة ارتحششتا، وكما في الأساطير اليهودية حول الماسادا.

ليس معروفاً إذا كان الذي ينتحر أكثر رغبة في ملاقاة خالقه من البقاء في هذه الحياة. لكن الانتحار محرم دينيا، فكيف يذهب للقاء ربه وهو كافر؟ أما عن مغادرة هذه الدنيا فحدّث ولا حرج. لا تبرير للعمليات الانتحارية مهما كان الأمر: هي أفعال (جرائم)، عبثية لا هدف لها إلا قتل من لا يعرفهم أعداؤهم، ومن ليسوا من المقاتلين ضدهم. هي عبثية لأن ما ينجم عنها من قتل ودماء يخدم أهدافاً غير عقلانية، بالأحرى غير مفهومة لدى العقل السوي. وإذا كانت هناك أهداف سياسية، فإن الوسائل المستخدمة هي الأكثر خسة ولا أخلاقية. لكن قتل من لا يعرفهم المنتحر، وقتل غير الأعداء، ومفاجأة الأبرياء، هو ما تقوم به أيضاً سلطات عالمية وإقليمية ومحلية. الطائرات دون طيار تقتل دون أن يرى «العدو» من يكبس الزر عن بعد مئات، بل آلاف الأميال. القتل العشوائي ظاهرة منتشرة في هذا العصر ذي التكنولوجيا المتطورة.

اليأس والبؤس غير كافيين أيضاً للتفسير. لماذا تتركز مواضع العمليات الانتحارية في منطقتنا، لا في مناطق العالم الأخرى حيث ما يشابهها في مستوى الانحطاط السياسي والأخلاقي؟ أما القول إنها ترتبط بدين معين، فلماذا لم تظهر لدى أصحاب هذا الدين إلا حديثاً؟

أسئلة تفتقر إلى الجواب عليها. الأرجح بسبب ضعف أو قلة الدراسات بشأنها. نادراً ما تجد في المكتبات كتاباً حول موضوع العمليات الانتحارية. ربما كانت الأجهزة الأمنية في العالم تملك دراسات لا نعرفها، أو لا نعرف استنتاجاتها. لكن استمرار الحرب العالمية على الإرهاب دون القضاء على هذه العمليات، ولا تبرير لها بمسبباتها، فإن ذلك يدفع المجتمع الذي تنتشر فيه هذه العمليات، إلى مزيد من اليأس.

لا دواء لليأس إلا بجعل الأرض مكاناً يمكن العيش فيه مع حد أدنى من الكرامة. لكن فاقد الشيء لا يعطيه. يتحدثون عن خرائط جديدة للمنطقة، ورسم حدود أخرى للدول والمجتمعات. يدفع مجتمعنا ثمن ما لا يريده بما لا يريده. عمليات انتحارية لا تؤذي إلا الأبرياء. عمليات لا يستفيد منها إلا من يضمر الشر لهذه المنطقة. هي استجابة خارج العقل والعقلانية لعقل وعقلانية في مكان آخر. لا نعرف الكثير عن آلياتها، لكننا نعرف آثارها ونعاني منها: مزيداً من البؤس والتشرذم بما يقود إلى الفناء.

نتحدث كثيراً عن شيء لا نفهمه. يراد لنا أن لا نفهم. عندما نسأل عن الذي لا يريد لنا أن نفهم، نتلعثم في الجواب عن داخل الذات أو خارجها. شيطان الانتحار لا يترك لنا مجالاً للتفكير. علينا عدم الخلط بين المصطلحات: التفكير والتكفير أساسهما واحد، وهو العقل. الانتحار شيء آخر.