IMLebanon

طهران بدأت تُفاوض: أسابيع حاسمة للرئاسة؟

حتى اليوم، بقيت إيران تعتمد سياسة متحفِّظة في كل ملفات الشرق الأوسط، من سوريا ولبنان والعراق إلى اليمن: الصمود عسكرياً وتثبيت «ستاتيكو» مريح لحلفائها، وتعليق التسويات إلى أن تأتي اللحظة المناسبة. عندئذٍ تتخذ القرار: إمّا إبرام التسوية وإمّا البدء بالهجوم.

لذلك، تعثّرت المفاوضات في سوريا، وعُلِّقت التسوية في لبنان. ولذلك، لم يواجه الإيرانيون «عاصفة الحزم» السعودية في اليمن. ولكن، بعد إبرام الاتفاق مع الولايات المتحدة حول النووي، وبدء تنفيذه، سيتحرَّر الإيرانيون من نهج المهادنة والمداراة وينتقلون إلى الهجوم، بالمعنيَين السلبي والإيجابي.

عندما كانت إيران في وضعية المفاوض، مَنح «الحرس القديم»، بقيادة مرشد الثورة الإمام علي خامنئي، هامشاً واسعاً للإصلاحيين والموصوفين بانفتاحهم على الغرب: الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف الذي تلقّى دروسه الأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية، والمعروف بعلاقته الطيبة مع نظيره الأميركي جون كيري.

وقبل أيام، احتجزت طهران جنوداً أميركيين في مياه الخليج، وقد أفرجت عنهم بسهولة وبلا أي تعقيد. وقال كيري إنّ الحادث كان سيتخذ أبعاداً مختلفة جداً لو وقع قبل ثلاث سنوات أو أربع. ما يؤشِّر إلى أنّ إيران تنتهج حالياً سياسة اعتدال ومرونة مدروسة. وهي تستعد لقطف ثمار «صبرها» وحنكتها في تعاطيها مع الملفات الإقليمية.

ولكن، على الأرجح، بعدما اطمأنت إيران إلى أنّ مليارات الدولارات التي كانت مجمّدة بالعقوبات ستبدأ بالتدفّق عليها (100 مليار منها 30 ملياراً فوراً)، وزيادة نصف مليون برميل من النفط يومياً، وتحرير عمليات التجارة مع العالم، فهذا يعني أنها ستنتهج سلوكاً أكثر حزماً.

الخبراء يتوقعون أن تذهب إيران، في الملفات الإقليمية، إلى خطوات أكثر جرأة، متحرِّرة من العوائق والإحراجات. ولذلك بادرت إلى الكشف عن تجهيز 200 ألف مقاتل في عدد من دول المنطقة. وهذا الرقم يعني وجود جيش إيراني وافر الحجم، يتوزّع فيها، ويخضع لقيادة واحدة، وكأنّ هذه الدول بالنسبة إلى إيران هي كيان سياسي واحد، من أقاليم عدّة.

في سوريا سيتشدّد الإيرانيون في رفض التفاوض حول مستقبل الأسد وانتقاء القوى التي يحقّ لها التفاوض. وفي العراق سيتدخّلون أكثر لحسم المعارك. وفي اليمن، سيواجهون بلا تحفظات… تحت طائلة الضغط على الواقع الخليجي الداخلي. وهذه نقطة حسّاسة في تلك المنطقة.

أمّا في لبنان، فالواضح أنّ الإيرانيين وضعوا الأسس لخياراتهم الكبرى، وتركوها كلها معلَّقة. وبعد اليوم، سينصرفون إلى اتخاذ القرارات، سواء بالتسوية أو بالمواجهة، وفقاً لِما تقتضي مصالحهم.

وهذه الأسس هي الآتية:

1 – نجح الإيرانيون تماماً في إقناع الجميع بأنّه من العبث استمرار السجال في ملفّي السلاح والتدخّل في سوريا.

2 – نجحوا في إقناع خصومهم بأن يحصروا المرشحين لموقع رئاسة الجمهورية من بين حلفائهم دون سواهم.

3 – استطاع لبنان، من خلال وزير خارجيته جبران باسيل، وفي حكومة يترأسها حليف للسعودية، أن يواجه الإجماع العربي المدعوم سعودياً.

4 – خلقَ الإيرانيون تباينات وانشقاقات عميقة داخل هيكل الخصوم، أي «14 آذار»، قد يصعب ترميمها إذا تطوّر المسار السياسي.

5 – كان إطلاق سماحة، المثير للجدل، إشارة أخرى إلى توازنات جديدة في المرحلة المقبلة.

وبناء على هذه المعطيات، سينصرف الإيرانيون وحلفاؤهم إلى سياسة أكثر حزماً ووضوحاً في لبنان. ويقول المتابعون إنّ النهج الإيراني سيقوم في هذا المجال على ثلاث ركائز:

أ – المساومة للحصول على الحدّ الأقصى من المكاسب ضمن السلّة المتكاملة لبنانياً، أي رئاسة الجمهورية وتركيبة الحكومة المقبلة وقانون الانتخاب والمجلس النيابي المقبل وسائر الملفات الساخنة. ويجدر التنويه بأنّ إيران ستكون بعد رفع العقوبات أكثر قدرة على دعم حلفائها في لبنان، خلافاً للقوى العربية المقابلة.

ب‌ – المساومة بين الملفات اللبنانية (الرئاسة وسواها) والملفات الشرق أوسطية الأخرى، ولا سيما منها الملف السوري.

ت‌- مساومة الغرب على ملفات لبنان، لأنّ الأميركيين والأوروبيين والفاتيكان يريدون إبقاءه تحت مظلة الاستقرار. ولعلّ أبرز عناصر المساومة هنا، الإرهاب والرئاسة ودور لبنان الإقليمي.

ولذلك، ستكون زيارة روحاني لباريس والفاتيكان، بعد عشرة أيام، حاسمة في ملف الرئاسة اللبناني. وهذه الزيارة كانت مقررة في تشرين الثاني الفائت، لكنها أرجئت بسبب الجهمات التي نفّذها تنظيم «داعش» في باريس. وربما كان التأجيل مفيداً لأنّ إيران ما بعد الإعلان عن رفع العقوبات مختلفة عمّا كانت قبله.

وتنطلق إيران اليوم من رصيد يسمح لها بهامش واسع من الحركة عسكرياً وسياسياً في مختلف الملفات الإقليمية، بما فيها لبنان. ويمكن القول إنّ إيران بدأت فعلاً مرحلة الهجوم، وهي ستفاوض حول الرئاسة اللبنانية كما لم تفاوض في السابق.

ففي فرنسا، لن يصطدم روحاني بالموقف الفرنسي التقليدي الداعم لوصول شخصية مارونية معتدلة، كما حاول وسطاء الرئيس فرنسوا هولاند أن يفعلوا في زياراتهم لطهران سابقاً، بل سيجد الرئيس الفرنسي متحمساً أكثر منه لإيصال حليف لطهران إلى بعبدا.

سينسى روحاني موقف باريس السلبي خلال المفاوضات حول النووي، لكي يتيح المجال لإعادة العلاقات الإيرانية – الفرنسية إلى تألقها سياسياً واقتصادياً. فالجانبان يحتاجان إلى ذلك بعد رفع العقوبات، وسيكون البحث في صورة الرئيس اللبناني تفصيلياً في الصفقة الكبرى.

أمّا في الفاتيكان، فالإيرانيون سيبذلون جهداً استثنائياً ليبرهنوا أنهم القوة التي تُحقّق التوازن الحقيقي في مواجهة التطرف التكفيري، وأنّ دور إيران أساسي لحماية استقرار المنطقة وتنوُّعها الطائفي والمذهبي. وهذه الصورة ستكون مهمة للبابا فرنسيس الذي يولي مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط أهمية خاصة.

وفي باريس والفاتيكان، سيكون روحاني مَرناً جداً لتسهيل انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، ضمن صفقة شاملة في الشرق الأوسط، حيث لسوريا حصة الأسد.

وقد تكون زيارة روحاني هي الموعد الذي يطلق الإشارة إلى تسوية رئاسية في الأسابيع التالية، أي قبل الربيع، وفق توقعات البعض.

ولكن، هل باتت المخارج المطروحة في الملفات الإقليمية، ولا سيما في سوريا، جاهزة فعلاً لإنضاج تسوية حول الرئاسة في لبنان؟

الأمر ليس مؤكداً. وربما يوضع المسار السوري على النار، ولكن قد يستغرق نضوجه كثيراً من الوقت. وهنا يصبح ملف الرئاسة في لبنان أمام خيارين: إمّا استمرار الانتظار ليواكب التقدّم السوري خطوة خطوة، وإمّا اجتزاء ملف الرئاسة ليكون جرعة مخدِّر صغيرة في الملف الشائك.

وفي أيّ حال، سيشهد الملف حراكاً جدّياً هذه المرة. وسيعود الاستحقاق إلى أساسه كثمرة لـ«كلمة سرّ» تتوافق عليها القوى الخارجية وتُمليها على اللبنانيين، وعلى المسيحيين خصوصاً، ما داموا غارقين في عجزهم وصراعاتهم وتضارب مصالحهم إلى ما لا نهاية!