IMLebanon

طهران تغازل العدو الصهيوني والرياض تفاوض على رأس الأسد

طهران تغازل العدو الصهيوني والرياض تفاوض على رأس الأسد

الدور السعودي يتقدَّم في صدّ المدّ الإيراني ويتألق دبلوماسياً

تلقت إيران هزيمة شنيعة في معركتها الزائفة حول حادثة منى حيث بقيت منفردة تتطاول على قيادة المملكة العربية السعودية، دون أن تلقى موقفا واحدا داعما لها في العالم العربي والإسلامي، باستثناء أبواقها المنتشرة في دوائر سيطرتها المباشرة، وفشلت طهران في استثمار هذا الحادث الذي لم يكن مواطنوها بعيدين عن افتعاله.

هذه النكسة الإيرانية، جاءت في سياق تراجعات متتالية شهدها مشروع ولاية الفقيه في اليمن وسوريا والعراق، لا تزال في بدايتها، لكنها تحمل أبعادا استراتيجية تظهر نتائجها منذ الآن على مصير المشروع الإيراني.

لقد استطاعت المملكة العربية السعودية أن توقف المدّ الإيراني في اليمن، وأن تلقن طهران درسا في القوة الميدانية والسياسية، وأحيت التحالف العربي ونجحت في استعادة المبادرة، وبات أمام الانقلابيين الحوثيين والمخلوع صالح إما الاستجابة لمندرجات القرار الدولي حول اليمن، وإما التعرض لهزيمة متحققة، اشتكى الوفد الحوثي الذي القى المرشد الخامنئي وامين عام «حزب الله» حسن نصرالله علاماتها وتداعياتها وآثارها على مستقبل الحوثيين في اليمن.

لم يمتلك الخامنئي ونصرالله أكثر من زيادة الدعم المالي والتوجيه بخوض حرب عصابات على أمل تأخير وصول قوات التحالف العربي إلى صنعاء، والدخول في مفاوضات سياسية تنقذ ما يمكن إنقاذه.

تدرك المملكة العربية السعودية حقيقة مأزق الحوثيين، وهي تضع نقاط اختبار سياسية من خلال المفاوضات التي تحركت مؤخرا، وإذ اتضح أن الحوثيين يتهربون من تنفيذ بند الانسحاب من المدن، ويلعبون لعبة المماطلة، فإن الحل السياسي سيأتي من دونهم، وتكون إيران قد خسرت كامل أوراقها في اليمن، خاصة بعد أن خرج الرئيس السابق لجنوب اليمن علي سالم البيض من «البيضة الإيرانية» ودعم التحالف العربي، وأحبط مخطط الانفصال في الجنوب.

أما في العراق، فإن إيران تعاني تصدّع الصف الشيعي تحت وطأة الصراع على السلطة بين نوري المالكي رجل «حزب الدعوة» الذي كشفت قناة «الجزيرة» في صندوقها الأسود تورطه في التنسيق مع جهاز «الموساد» الصهيوني لاغتيال علماء العراق، فضلا عن ارتكابه جرائم إرهاب على امتداد العالم العربي، وبين رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي سقط بدوره في التنافس مع المالكي، في حفرة الحقد المذهبي، ففوّت الفرصة لإعادة إحياء العملية السياسية وانحدر العراق إلى توسع الصراع الذي لم يستطع لا الحرس الثوري ولا الحشد الشعبي (الشيعي) أن يغيّر في معادلة الصراع مع تنظيم «الدولة الإسلامية».

رفض العبادي عملياً انفتاح المملكة العربية السعودية عليه في بداية وصوله للسلطة، وانحاز إلى وليّه الفقيه، فسقطت التسوية وغرقت إيران في أوحال الحرب العراقية.

الفشل الإيراني الذريع في سوريا

في سوريا، برزت المملكة العربية السعودية طرفا أساسيا في إدارة المفاوضات حول سوريا، وحول شكل النظام السياسي المرتجى ومصير أركان نظام الأسد ورأسه، الذي بات كرة يداولها اللاعبون في الملف السوري.

لقد أثبتت المقاومة السورية قدرتها على استيعاب الموجة الروسية بعد أن مرّغت أنوف الإيرانيين في وحول الهزيمة، فسقطت الرؤوس الكبيرة في الحرس الثوري الايراني، وتتابع تدحرجها في سلسلة باتت أشبه بنشرة يومية لخسائر هذا الحرس.

وقد نال «حزب الله» نصيبه من الهزائم وباتت «فرقة الرضوان» أفضل فرق النخبة فيه ممزقة ومنهكة، وبات الحزب عالقا بين اضطراره للبقاء في سوريا تنفيذا لأوامر الولي الفقيه، وبين عدم قدرته على الانسحاب وتلقيه المزيد من الخسائر، الأمر الذي يوتر علاقته ببيئته الحاضنة، رغم حرص نصرالله على الادعاء بأن الخسائر البشرية تزيده تماسكا.

لقد حاول بشار الأسد عبر ميليشياته المحلية حسم الصراع ففشل، وأرسل الولي الفقيه ميليشياته العراقية لنجدة بشار، فكادت أن تفنى، ودخل «حزب الله» فتشتت في أصقاع سوريا، وبعد أن حمى النظام أول الأمر، بات بحاجة إلى حماية الحرس الثوري.

لم يستطع قاسم سليماني برغم عنترياته المفرطة أن يُحدث تغييرا جديا في المعادلة الميدانية، وخسر كبار مستشاريه وقادته، حتى كاد الأسد أن يسقط فتدخل الدب الروسي لانقاذ ما تبقى ولمنع سقوط الكانتون العلوي بأيدي الثوار.

تطوّر الموقف السعودي

في ظل هذه المستجدات، لم تجد طهران سوى إطلاق الحملات على المملكة العربية السعودية، والتفوّه بتفاهات دعم المملكة لما يسميه الإيرانيون الإرهاب، وهم الغارقون فيه ماضيا وحاضرا ومستقبلا..

ما دفع الإيرانيين إلى هذا المسار، هو القفزة النوعية في الأداء السعودي، الذي لم يعد مقتصرا على موقف سياسي عام، بل هو بات يتدخل عندما وحيث تقتضي الحاجة، عسكريا وإغاثيا وسياسيا.

وبعد الغزو الروسي لسوريا، أعلنت المملكة أنها ستكثف دعمها للمعارضة السورية، وهدّدت بالتدخل العسكري المباشر.

فبعد مباشرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدوانه على الشعب السوري، دخلت الأزمة السورية منعطفا شديد الخطورة، أعلن معه وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية امكانية تدخل قطر والسعودية في سوريا لمواجهة الغزو الروسي، بالتوازي مع وقوع قصف من «طائرات مجهولة» لمواقع حساسة لنظام الأسد في حمص ودرعا، أوضحت موسكو لاحقا أنها ليست طائرات تابعة لها قصفت تلك المواقع عن طريق الخطأ، في حين أفادت مصادر الثوار أنها لا تستبعد أن تكون بعض طائرات الحزم تجري «تمرينات حية» في سماء الشام.

لقد لمست المملكة العربية السعودية قدرتها وأدركت مدى تأثيرها السياسي والمعنوي الهائل، في السياسة الدولية والإقليمية على حد سواء، بعد أن اختبرت قواتها البرية والجوية في اليمن، فباتت تلوّح بأنها ستكون في صف الشعب السوري، إذا فشلت المحاولات السياسية مع موسكو والولايات المتحدة في إقناع الأسد بالرحيل بعد تسليم السلطة لحكومة انتقالية يكون خلالها منزوع الصلاحيات.

تخبط إيراني.. وغزل علني للعدو الصهيوني

تسعّر إيران خطابها ويتخبط أركان قيادتها في تناقضات لا تنتهي، فيعلن مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي أن طهران ستتدخل في أي مكان تشعر فيه أن أحد حلفائها مهدّد، متهما السعودية بأنها تدعم المعارضة السورية بناء لتوجهات غربية.

وفيما هدّد قائد القوات البرية الإيرانية بإزالة الكيان الصهيوني من الوجود (!!) كان نائب وزير الخارجية الايرانية حسين أمير عبداللهيان يعلن أن بلاده تبادلت الرسائل مع الولايات المتحدة الاميركية حول الصراع الدائر في سوريا والعراق مع تنظيم «الدولة الاسلامية»، مضيفا ان ايران حذّرت اميركا والدول المتحالفة معها من ان السعي لإسقاط نظام الأسد سيعرّض أمن الكيان الاسرائيلي للخطر، في موقف يتكامل مع إعلان موسكو التنسيق مع العدو الإسرائيلي بشأن حركة الطيران الروسي في السماء السورية، وتأكيدا للمصالح المشتركة بين طهران وتل أبيب.

خسرت إيران مواقعها الاستراتيجية، بُعَيدَ احتفالها بتوقيع الاتفاق النووي مع الغرب ورهانها على تدهور موقع المملكة العربية السعودية بعد الفجوة الحاصلة بينها وبين الولايات المتحدة، فكانت الحصيلة تحرّر المملكة من قيود الترقب والدبلوماسية الحذرة، وغرق إيران في العجز والدماء والحرب المذهبية القذرة.

خرجت طهران على السقف القائم، فاستعملت الإرهاب داخل أراضي السعودية، مستخدمة عملاءها، وعلى رأسهم نمر النمر، فجاء الرد السعودي بتأكيد حكم الإعدام على إرهابي هدّد الأمن السعودي، وهي خطوة غير مسبوقة جديدة تضيفها مملكة الحزم على خطواتها الواثقة العالية المستوى في الرد عل العدوان الإيراني المتمادي.

تمرّ المنطقة الآن في مرحلة اشتداد الصراع، وسنشهد المزيد من هذه الفصول، لكن ما يطمئن العرب، أن ممكلة سلمان بن عبد العزيز آل سعود دخلت مرحلة النهوض الذاتي والاستنهاض العربي، ولم يعد الملعب متروكا للتخريب الإيراني المنفرد.

* رئيس هيئة السكينة الإسلامية