IMLebanon

طهران لن تُعارض إنتخاب جعجع رئيساً؟!

أيّ مراجعة للمواقف الإيرانية من الاستحقاق الرئاسي تظهر تشديداً وتأكيداً على دعم أيّ اتفاق يتوصّل إليه المسيحيون، الأمر الذي يعني عدم اعتراضها أو ممانعتها انتخاب الدكتور سمير جعجع رئيساً إذا اتفق المسيحيون على انتخابه؟

وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف أكد «حرص بلاده على رؤية رئيس جمهورية جديد في لبنان، وهي مستعدة لدعم أيّ اتفاق يتوصّل اليه اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً».

وبدوره، قال رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني: «انّ ايران تدعم ايّ حلحلة في الملف الرئاسي»، لافتاً الى انّ «المسيحيين اللبنانيين هم المعنيون الأساسيون بهذه القضية». وأمل السفير الإيراني محمد فتحعلي بأن «نشهد في القريب العاجل انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية بتوافق جميع اللبنانيين، لا سيما القيادات المسيحية».

وكشفت صحيفة «السفير» في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٤ أنّ «الايرانيين يشددون على جعل التوافق المسيحي ـ المسيحي ركيزة التفاهم الرئاسي». ونقلت الصحف اللبنانية عن الموفد الفرنسي جان فرنسوا جيرو انه «تبلّغ من الإيرانيين رفضهم القاطع أيّ محاولة ضغط منهم على حلفائهم في لبنان للمشاركة في جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، وهم تمسّكوا بمقولتهم حول أهمية توافق المسيحيين على مَن يختارونه رئيساً للجمهورية».

فما تقدّم هو مجرد عيّنة عن المواقف الإيرانية التي تدور جميعها حول نقطة واحدة: دعم طهران أيّ توافق مسيحي، ورفضها الضغط على المسيحيين، واعتبارها الاستحقاق الرئاسي استحقاقاً مسيحياً، وانّ التوافق المسيحي يشكّل المعبر لرئاسة الجمهورية، الأمر الذي يعني عملياً انه لا يفترض بطهران أن تعارض انتخاب جعجع.

وحيال ما تقدّم، تبرز التساؤلات الآتية: ماذا لو قرر عون دعم جعجع رئاسياً؟ هل توافق طهران وتبارك؟ أم تعرقل وتعتبر أنّ المقصود بالتوافق المسيحي وصول مرشّحها إلى الرئاسة لا خصمها؟ وهل تَبَنّي طهران لمقولة التوافق المسيحي مردّه إلى رهانها على استحالة توافق المسيحيين، وبالتالي تختبئ خلف تلك المقولة لعدم اتهامها بالتعطيل أو التقصير بالضغط على «حزب الله» للمشاركة في الجلسات الانتخابية تطبيقاً للدستور؟

وماذا لو اتفق عون وجعجع على تسمية مرشّح غيرهما، فهل تؤيّد ذلك تلقائياً أم يتوقف موقفها على هوية المرشّح ومدى قربه منها؟ وماذا أيضاً لو تَبنّى عون برنامج جعجع «الجمهورية القوية» على غرار تبَنّيه في العام ١٩٨٨ كتيّب «القضية»، فهل تواصل تمسّكها بدعم أي توافق مسيحي، أم تتراجَع عن تأييد العماد عون؟

من هنا، على طهران أن توضح موقفها لجهة ما إذا كان موقفاً مبدئياً بدعم التوافق المسيحي بمعزل عن مؤديات هذا التوافق وترجماته، أم أنها تعارض وصول شخصية مثل الدكتور جعجع إلى الرئاسة. ولماذا لا تعلن بوضوح أنّ ما يقوله رئيس «القوات» عن وجود فيتو إيراني على وصوله إلى بعبدا غير صحيح، وأنها تؤيّد قولاً وفعلاً ما يتفق عليه المسيحيون؟

وفي هذا السياق أيضاً على الموفد الفرنسي فرنسوا جيرو أن يستوضح من المسؤولين الإيرانيين في زيارته المقبلة لطهران حقيقة موقفهم، وألّا يكتفي بعنوان عريض يتصِل بتوافق المسيحيين، بل أن يدخل في الأسماء والاحتمالات والخيارات.

إلّا أنّ كل المؤشرات تدلّ إلى أن طهران تتحجّج بالتوافق المسيحي تهرّباً من أيّ مسؤولية أو مراجعة دولية وإقليمية، وهي تتكئ في موقفها على تمسّك عون بالرئاسة لشخصه من دون غيره.

فطهران التي تتمدد في اليمن وعينها على البحرين وترفض أيّ شراكة في العراق وتمنع أيّ تسوية في سوريا، لن تسمح بوصول رئيس للجمهورية في لبنان غير محسوب عليها ويعمل على الحدّ من نفوذها، كما انها ليست على مسافة واحدة من اللبنانيين، ولن تتهاون بكلّ ما من شأنه أن يخلّ بالتوازن الداخلي اللبناني لمصلحة أخصام «حزب الله».

ولكن هل يمكن أن تلجأ إيران إلى لعبة توزيع أدوار بينها وبين «حزب الله»، بمعنى ان تحافظ على موقفها من التوافق المسيحي مقابل أن يتكفّل الحزب بتعطيل أيّ توافق رئاسي لا يناسبه؟ كلّ شيء وارد، ولكن عند المحك لا تقف طهران عند الشكليات، ولا تعير أهمية لانقلابها على مواقفها السابقة، لأنّ أولويتها تكمن في مدّ نفوذها، وكل ما سوى ذلك مجرد تفاصيل.

وفي المقلب الآخر تحدّث عون مراراً عن فيتو سعودي على وصوله إلى بعبدا، فيما نَفت الرياض جملة وتفصيلاً وجود أي فيتو على عون أو غيره، وأكدت غير مرة أنّ الرئاسة شأن مسيحي ولبناني.

ويبقى السؤال: ماذا لو وافق جعجع على انتخاب عون وتحوّل المستحيل إلى ممكن، فهل ترفع طهران حينذاك الفيتو في وجه عون أم تسمح بوصوله؟ وهل جعجع وعون أصبحا متساويين في الفيتوات؟ ولماذا لا يتفقان على السيناريو الآتي: يعلن عون تأييده انتخاب جعجع، وفي حال رفعت إيران الفيتو في وجهه في موقف تراجعي عن التزامها بالتوافق المسيحي، يتعهّد جعجع بانتخاب عون…