IMLebanon

تلك جثّة جدّي…

كانوا ثلاثة ركّاب في سيّارة الأجرة. كان والدي أحدهم. فتح السائق جهاز الراديو. ها هي أسماء قتلى ذاك اليوم تُذاع تباعاً. فجأة، يَرِد اسم والده (جدّي) مِن ضمنهم. ما يحصل للمرء في حالة كهذه لا يُشرَح. يبقى لصاحبه، وحده، ما بقي حيّاً. يُمكنه سردها لأولاده، لاحقاً، كقصّة تراجيديّة. ستُصبح لاحقاً بضعة مِن «كينونة» السامعين، مِن العائلة، إذ يَكبرون. كان ذلك في مثل هذا اليوم قبل 42 عاماً. إنّه اليوم الأوّل مِن الحرب الأهليّة اللبنانيّة (العالميّة ــ كلّ حروب العصر الحديث عالميّة). إنّه يوم «بوسطة عين الرمانة».

واحد مِن الفدائيين، الذين كانوا على متنها، كان صديقاً لوالدي وجدّي. عرف الأخير بأمر الحادثة، فترك المنزل قاصداً مكان الحادثة، ثمّ منزل عائلة المقتول لمواساتهم. كانت الطرقات مقفرة. عند مدخل شارع أسعد الأسعد، في الشيّاح، يَسقط أرضاً. رصاصة في فخذه مِن «قنّاص كتائبي». مَن شاهده قال إنّه لم يفهم ما الذي جرى له. هكذا بدا، مِن بعيد، حائراً. حاول الوقوف، فرصاصة ثانية، مات. هذه المرّة في القلب مباشرة. والدي يُغيّر وجهته إلى منطقة الكرنتينا، لقتل الشكّ، لليقين، رغم أنّ ما أذيع كان اسماً ثلاثيّاً. لولا الأمل! جدّي الآن جثّة إلى جانب جثث أخرى. بطاقة هويّته، والأرزة عليها، كانت في محفظته.

لن يأتي مَن يهدم الهيكل فوق رؤوس الجميع. سنحيا، هكذا، كيفما اتفق

إنّه هو. لم يكن حزبيّاً، ليس منخرِطاً، كان مجرّد رجل ريفي بسيط، ترك قريته الجنوبيّة وجاء إلى المدينة، ليَعمل. إنّه واحد مِن أحنت «العتالة» ظهورهم. ظهرت صورة جثّته في إحدى الصحف. كنّا نراها، بالأبيض والأسود، وقد تهالكت. حاول والدي، على مدى سنوات لاحقة، معرفة هويّة «القنّاص». لؤم أن تُقتل هكذا، ولؤم مضاعف أن لا يُعرَف قاتلك، ولو لمجرد إرضاء الفضول. هل لا يزال حيّاً، ذلك القنّاص، يعيش بيننا الآن، وله عائلة وأحفاد وكذا؟ ربّما. مات والدي، لاحقاً، ولم يعرفه. قضى عمره، بعد ذلك، يُردّد: «أبي كان أوّل شهيد في الحرب الأهليّة». نوع مِن مواساة النفس. أيّ شيء ينفع هنا. مات بدوره بعد تدهور صحّته، نتيجة حادثة في مصعد كهربائي، كان قد تعطّل بسبب القصف في الحرب. كان قتلاً أيضاً. قبل ذلك، شهِد مقتل شقيقه الأصغر (عمّي). سقط أرضاً، فجأة، في شارع الحمرا. رصاصة في الرأس، لكنّها هذه المرّة… طائشة. هكذا قيل. قالوا أتت مِن «الشرقيّة». كان ذلك أمام سينما «سارولا» تماماً. حصل والدي مِن الطبيب على تلك الرصاصة، واحتفظ بها كتذكار، فكان يخرجها مِن علبة خضراء مِن حين إلى آخر. لم يستطع، أيضاً، أن يعرف قاتل شقيقه شخصيّاً. بقيت حرقة، في عينيه، كحرقات كثيرين غيره.

نشأنا على تلك الحوادث. تلك الروايات. أجيال كبرت على ذلك. لم تنتهِ الحرب يوماً. زُرِعت روحها فينا. في ذاكرة الجينات أيضاً. لك أن تخرج منها، أنت، بقرارك الشخصي، ولكن ليس لك أن تخرج هي منك. مِن بعدها حروب تتلوها حروب. لم نعرف إلا الحرب. مَن يؤمن بعالم آخر، حيث العدالة المنجزة، الكاملة، هل يؤمن حقّاً بأنّ مَن عاش ــ عانى في هذه البلاد سيجرؤ أحدٌ على محاسبته… ولو كان إلهاً! ولدنا هنا. حيث أشياء لا دخل لنا بها. لاحقاً قالوا إن وطناً جديداً سيولد. لكنه لم يولد، كذبوا، هم أنفسهم. أن تولد في بلد، في منطقة مسكونة بالأرواح المقتولة، ثمّ يُقرّر أحدهم أن يبني دولة، بالقوّة، مرّة تلو أخرى، بلا جدوى… فهذا قتل أيضاً. ما بُني على باطل فهو باطل. هذه البلاد باطل. قبائل متناحرة طافت تفاهتها حتّى لم تعد قادرة على إنجاز قانون انتخابي. مجرّد قانون ينفع للاستهلاك البشري. لمجموعة بشريّة تعيش لحظتها التاريخيّة. الذُلّ أكوام. تُهدَر أيامنا ومنتهى الأمل أن نحصل على قوتنا. على ما يُسمّى «أساسيّات العيش». هذه أشياء، على حقيقتها، أيضاً لا تُشرَح. يُمكن للسامع، مِن بعيد، أن يتعاطف. هذه حدودها. أن تكون فيها يعني أن تدركها. هذه لأصحابها فقط. تلفت خلايا أدمغتنا ونحن نواري سوأة عيشنا. أحد ما علّمنا أن نُكابر. هذه ثقافة مجتمع. ألم فوق ألم. ضاعت أعمارنا هكذا. أين نذهب؟ حتّى لو أردنا الهجرة، فإلى أين؟ مَن عاد يستقبلنا، بكرامتنا؟ مكروهون في الخارج، والآتي أكره، ومسحوقون في الداخل، والمقبل أسحق، ثمّ ماذا؟ لا أحد يَعلم. قديماً قيل: «لا بلد أحقّ بك مِن بلد، خير البلاد ما حملك». قيلت يوم لم يكن هناك أسلاك شائكة. ما العمل إن لم يعد كوكب الأرض يحملنا؟ كلّ شيء جُرّب. ما رأي جماعة «ضدّ العنف» الآن؟ ما رأي جمعيات «الرفق بالحيوان»؟ ماذا تقول السيّدة بريجيت باردو، مثلاً، هل «باردو» ستصمت؟

كتب إرنست هيمنغواي يوماً عن «الجيل الضائع». أولئك الذين بلغوا مرحلة النضج خلال الحرب العالميّة الأولى. أصبح الميكانيكي الشاب مِنهم، أيّ شاب آنذاك، لا يُجيد إصلاح سيارة، أو إصلاح أيّ شيء. وصفهم الكاتب لاحقاً بأنّهم «الجيل المُنتَهَك». لقد انتُهِكَت أرواحنا كما لم تُنتَهَك عند أمّة مِن الأمم. ملايين الضائعين. كان «شمشون» أسطورة. المعبد أيضاً أسطورة. الأساطير هي مجموعة تطلّعات النفس لما تعجز عن تحقيقه. لن يأتي مَن يهدم الهيكل فوق رؤوس الجميع. سنحيا، هكذا، كيفما اتفق…