IMLebanon

التخوين ينسف الحوار بانتظار النووي

 

 

بصرف النظر عما يدور في أوساط قوى المعارضة والمجموعات النيابية المختلفة من تفسيرات لتعداد الأصوات التي حصل عليها كل من الوزير السابق جهاد أزعور ورئيس تيار «المرده» سليمان فرنجية، وعمن انتصر ومن انهزم، فإنّ النتيجة التي خلصت إليها المنازلة النيابية هي أنّ جهود إنهاء الفراغ الرئاسي عادت إلى نقطة الصفر: أي تسوية تأتي بالرئيس وبين مَن ومَن؟ وهي تسوية خارجية دولية إقليمية حتماً.

 

بقدر ما كانت الجلسة الـ12 اختباراً لميزان القوى النيابي، ولمقتضيات تطبيق الدستور، فإنّ نتيجتها أنّ ميزان القوى الذي أملى وقائعها لا علاقة له بالدستور، ولا بالتوازنات الداخلية.

 

قد تكون للنتيجة دلالات على المستوى المحلي، من زاوية تفوق أزعور على فرنجية في عدد الأصوات، بنظر الفرقاء الذين تقاطعوا عليه، وبأنّ هناك أكثرية من 77 نائباً، رفضت فرض «الثنائي الشيعي» مرشحه، إذا أضيفت أصوات أزعور الـ59 إلى النواب الـ18 الذين صوتوا إمّا لزياد بارود، أو لجوزاف عون أو بالأوراق الملغاة، لأنّ هؤلاء رفضوا الانحياز لفرنجية. وهذا ما على «حزب الله» أن يقر به بعدما غلب الإنكار على تعاطيه مع تصاعد المناخ الرافض لإملائه خياراته، لا سيما مسيحياً.

 

وقد تكون لتلك النتيجة دلالة من زاوية أنّ «الثنائي» وحلفاءه استطاعوا رفع «السكور» المقدر لمرشحهم من حوالى 45 صوتاً إلى 51 خلافاً لتقديرات قادة المعارضة وتقاطع «التيار الوطني الحر» معها على اسم أزعور، سواء جاء ذلك بالتهديد أو بالقدرة على اختراق خصومه، في شكل حمل رموز المعارضة على التفتيش عمن من النواب خالف وعوده بالانحياز لأزعور، وحرمه من الاقتراب من رقم الـ65 صوتاً، بصوتين أو ثلاثة.

 

إلا أنّ وقع هذه الدلالات على أهميتها، لا يسمن ولا يغني ويبقى محصوراً في إطار التناحر المحلي الذي لا تقيم تعقيدات الأزمة وزناً له، ولا لأصول اللعبة السياسية اللبنانية ولا للدستور. والدليل، على بساطته، قفز رئيس البرلمان نبيه بري فوق وجوب معرفة أين ذهب الصوت الضائع الذي لم يحتسب حين اكتشف النواب أنّ فرز الأصوات شمل 127 نائباً من أصل 128 اقترعوا. النتيجة أنّ الفراغ مستمر، وأُجهِض النصاب رغم تعليق وكيلة وزير الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند الآمال على عدم تعطيله بعد اتصالها مع بري، فجرى نسفه من قبل «الثنائي» بلا أي حرج.

 

أي تسوية داخلية ممكنة بين فريقين اعتبر كل منهما أنه انتصر على الآخر؟ ثم أنّ أي تسوية ممكنة في ظل الاتهامات والحملات «غير المتناسبة» والمتوترة، التي ساقها «حزب الله» ضد خصومه والتي لا تتسق مع حق طبيعي سبق أن أقرّ «الحزب» به، لمجرد أن رشحوا أزعور، بأنّه ومن دعموه يخدمون إسرائيل، وأنه رئيس تملي عليه أميركا قراراته؟ وكيف يمكن لـ»الحزب» أن ينزل عن شجرة تصنيف خصومه المحليين في خانة الخيانة، ليعقد معهم بوصفهم شركاءه في البلد، صفقة حول رئيس، حتى لو كان خياراً ثالثاً؟ حملة «الحزب» جعلت الصفقة محرّمة، ما يحوّل أي دعوة إلى «حوار» مزعوم، عبثية، وتبريراً مسبقاً لاستحالة التسوية الداخلية.

 

بانتهاء الجلسة من دون تحديد موعد للتالية، يبدو أنّ العودة إلى البرلمان لانتخاب رئيس، تنتظر تغييراً جوهرياً في المواقف المتقابلة: الفريق الممانع يطالب بالحوار من دون أفق تغيير في تبنيه ترشيح فرنجية. والفريق المعارض و»التيار الحر» لا يتخليان عن أزعور رغم اعتقاد الخصم أنه قضى على فرصته، ويرفض هيمنة إيران على المنصب الأول في الجمهورية. وهذا التغيير يحتاج إلى قوة قاهرة، خارجية.

 

سيتم إلهاء البرلمان في انتظار التسوية الخارجية، بالسجال مجدداً حول إمكان عقد جلسات تشريعية بحجة تشريع الضرورة، وبالمماحكة حول ملء الفراغ في حاكمية مصرف لبنان في تموز المقبل…

 

إنها العودة إلى البداية، من زاوية القناعة القديمة بأنّ الرئاسة في لبنان ورقة في إطار التسوية الخارجية، ولبنان يبقى رهينة هذه التسوية، مهما طال انتظارها، ومعها الامتداد الزمني للفراغ. والعين في هذا المجال على ما ستنتجه المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي أقرت بحصولها طهران علناً حول الاتفاق النووي ورفع العقوبات ولو جزئياً. والأنظار تتجه إلى ما سينتج عن استئناف اللقاءات السعودية الإيرانية. وقد يثمر تحرك الموفد الرئاسي الفرنسي الجديد جان إيف لودريان بعض الأفكار التجريبية للمخارج من الفراغ الرئاسي اللبناني، لكن أي نتائج عملية تتصل بالبازار الأوسع بين واشنطن وطهران وبين الأخيرة والرياض، طالما يمسك الجانب الإيراني بالرئاسة للتفاوض عليها، من ضمن أوراقه الإقليمية.