IMLebanon

العودة المستحيلة إلى ما قبل التحوّلات

 

في حرب الدفاع عن إيران يركّز “حزب اللّه” في خطابه على الدفاع عن لبنان وضرورة الوحدة الوطنية. وفي تصنيف المواقف السياسية يجعل “الحزب” من نفسه وارتباطه بالجمهورية الإسلامية وتنسيق ضرباته الصاروخية على إسرائيل مع ضربات الحرس الثوري الإيراني مركز الدائرة ومعيار الوطنية. وهذا تحايل على الواقع الذي كان علاجه من أيام كونفوشيوس “وجوب إعادة المعنى إلى الكلمات”. فما معنى الدفاع عن لبنان واستراتيجية “إيلام العدو” بالقصف الصاروخي حين يكون الردّ هو التدمير وتهجير بيئة “الحزب” وتوسيع الاحتلال؟ وما معنى الوحدة الوطنية إذا كانت مغامرة طرف واحد بالوطن ودعوة الأطراف الباقية المختلفة معه إلى تحمّل العواقب والمشاركة في الانتحار السياسي؟ وكيف يكون طرف واحد، لا لبنان، مركز الدائرة، ومعيار الوطنية هو الارتباط بإيران والتضحية بلبنان من أجلها واعتبارها عاملًا داخليًا لا خارجيًا؟

 

المسألة أخطر من ذلك وأكبر. فحين دقت أجراس الخطر على النظام، أعادت طهران إحياء “وحدة الساحات” وسارعت إلى توظيف استثمارها العسكري والأمني في المنطقة للدفاع عنها عبر “حزب اللّه” في لبنان و “الحشد الشعبي” في العراق و “أنصار الله” الحوثيين في صنعاء. وما يعمل له “الحزب” هنا هو السعي لإعادة لبنان إلى الوضع الذي كان عليه قبل “حرب الإسناد” لغزة واستعادة الهيمنة الكاملة على بلد مسروق ومفلس وسلطة مشلولة.

 

ومهمة الحشد الشعبي هي قصف أصول أميركية وعراقية ومراكز مدنية في العراق وإقليم كردستان وسوريا. ومهمة الحوثيين هي معاودة قصف إسرائیل وإغلاق مضيق هرمز. وكلّ هذا في إطار تصوّر إيران أن مواجهتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية ستؤدّي إلى “نصر إلهيّ” وإعادة المنطقة إلى ما قبل التحوّلات الهائلة التي حدثت بعد “طوفان الأقصى” وحرب غزة ولبنان وحربها هي وسقوط نظام الأسد، وبالتالي إسقاط “سلام ترامب” ومشروع الشرق الأوسط الجديد لمصلحة المشروع الإقليمي الإيراني. وهذه مهمّة مستحيلة.

 

ذلك أن التحوّلات ركّزت أوضاعًا جديدة في غزة ولبنان وسوريا وجعلت أذرع إيران في العراق وصنعاء في مأزق، ووضعت إيران نفسها على طاولة البحث فوق میدان حرب طاحنة. فضلًا عن أن “دينامية” التحوّلات متحركة إلى الأمام، ولا مجال للحديث عن “دومينو” انهيارات وخطوات إلى الوراء. وإذا كانت الجمهورية الإسلامية تدافع عن نفسها وتقصف دول الخليج وعلى استعداد للذهاب إلى النهاية لأنها في “حرب وجود”، فإن أميركا ليست في حرب أهدافها إسرائيلية تورّط فيها الرئيس دونالد ترامب بإغواء من بنيامين نتنياهو، حسب نظرية رائجة في المنطقة وإسرائيل وأميركا.

 

هي، على العكس، في حرب أهدافها الأميركية أكبر من الأهداف الإسرائيلية. حرب الدور الأميركي والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط المحتاج إلى إعادة تشکیل، وعمليًا حرب تكريس الأرجحية الأميركية على الكبار فوق المسرح الدولي. والورطة التي يبدو ترامب عالقًا فيها، وسط ضغوط اقتصادية كبيرة في أميركا والمنطقة والعالم، لا مخرج منها بالنسبة إلى الرئيس الأميركي إلّا بتكبير الحرب أو بصفقة يأخذ فيها ما أراد الحصول عليه بالقوّة. أليس الرئيس دوایت أيزنهاور الذي دفع بریطانیا وفرنسا إلى الوراء بعد حرب السويس وجعل الدور الأميرکي أساس اللعبة في غرب آسيا هو القائل:”لكي تحلّ أزمة كبّرها”؟

 

مفهوم أنه لا شيء اكتمل، لا في غزة ولا في لبنان ولا في سوريا. و “حزب اللّه” يعود إلى الاستقواء على الدولة ويهدّدها ويفاخر بقوته الصاروخية في محاربة إسرائيل. لكن ما يجمع الدولة و “الحزب” واحد. الدولة تستطيع اتخاذ قرارات جريئة ومهمة حول سحب السلاح واعتبار النشاطات العسكرية والأمنية لـ “الحزب” خارج القانون، لكنها لا تستطيع التنفيذ. و “الحزب” يستطيع أن يقصف ويربك إسرائيل لكنه لا يستطيع منعها من تدمير القرى وتهجير مليون شخص وإعادة احتلال جنوب الليطاني.

 

و “شيئان لا حدود لهما : الكون والحماقة الإنسانية”، كما قال أينشتاين.