IMLebanon

الوجود المسيحي ليس مسؤولية المسلمين وحدهم

 

 

الحديث عن تراجع عدد المسيحيين في لبنان هو افتئات على صيغة «لبنان الرسالة»، وتعدٍ على مبادئ العيش المشترك، وقبل كل ذلك خروج على إتفاق الطائف نصاً وروحاً، الذي أسس لإلغاء الطائفية وإقامة دولة المواطنة، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في المؤسسات الدستورية والسيادية. .

طرح مثل هذه الموضوعات البالغة الحساسية، وفي مرحلة دقيقة وبالغة التعقيد،من شأنه أن يؤجج المشاعر الطائفية، ولا يخدم ما تبقى من أجواء الإستقرار في بلد يعاني يومياً من إرهاصات أخطر أزمة إقتصادية وإجتماعية تعرض لها في تاريخه الإستقلالي.

الحقيقة أن الوجود المسيحي في لبنان هو جزء أساسي من كيان وطن الأرز، بغض النظر عن التعداد السكاني، وحسابات الأكثرية المسلمة والأقلية المسيحية، لأن الصيغة اللبنانية في العيش الواحد بين الأديان السماوية، تُعتبر رسالة حضارية لكل الدول في الشرق والغرب التي تسعى لإقامة جسور الحوار بين الحضارات والأديان، وتعزيز التفاهمات بين أتباع الرسالات السماوية.

حتى الأمس القريب كان يصح القول أن المسيحيين هم أكثر الطوائف اللبنانية هجرة إلى الخارج. ولكن في السنوات الأخيرة لم تعد موجة الهجرة تقتصر على لون طائفي معين، وسجلت الأرقام الرسمية تدفقات من الهجرة الشبابية إلى بلدان الخليج العربي ودول أوروبية وصولاً إلى الولايات المتحدة وكندا.

ولم يعد خافياً أن القلق على المستقبل، في بلد سقط في هذه الدوامة من الأزمات المدمّرة لنظامه الإقتصادي والاجتماعي، باتت هي سمة الحياة اليومية لأجيال الشباب، ومعظمهم من خريجي الجامعات وأصحاب الإختصاصات المطلوبة لأسواق العمل، والذين لم يجدوا في بلدهم ما يُطمئنهم على الغد، في ظل هذه المنظومة السياسية الفاسدة والفاشلة، فكان قرار الخروج من البلد، ولو في هجرة مؤقتة، هو خيار الأكثرية الساحقة من الشباب اللبناني.

وقد يكون قلق الشباب المسيحي مضاعفاً عن بقية أقرانهم من الطوائف الأخرى، على خلفية حالة التشظي في الجسم السياسي المسيحي، وإستعار حملات الإتهامات والتخوين بين الأحزاب المسيحية، وتحول الخلافات السياسية إلى خطابات تحريض وكراهية بين القيادات التي تدّعي الدفاع عن حقوق المسيحيين، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف الموقف المسيحي في المعادلة الداخلية، وتكرار حصول الشغور في رئاسة الجمهورية في ثلاثة عهود متتالية.

ولا بد من التذكير بأن الهجرة المسيحية الأولى حصلت في ١٩٨٩، إبّان «حرب الإلغاء» بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، والتي أوقعت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات في المناطق المسيحية التي كانت مسرحاً لمعارك تلك الحرب الإنتحارية.

والهجرة الثانية حصلت في منتصف عهد العماد عون، وفي أعقاب الإنفجار الزلزالي في مرفأ بيروت، ٤ آب ٢٠٢٠، الذي دمّر أحياء واسعة في المنطقة المسيحية في العاصمة، في زمن الإنهيارات المالية المتتالية، حيث بقيت الدولة غائبة عن مد يد المساعدة والدعم للمتضررين، الذين عمد كثير منهم إلى مغادرة البلد، بعدما قتل الإنفجار كل الآمال التي كانت معلقة على نتائج إنتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩ في الإصلاح والتغيير.

لا شك أن الحفاظ على الوجود المسيحي المميز في لبنان، هو من مسؤولية الشريك المسلم، الذي إلتزم بالمبادئ والقواعد التي كرس أسسها إتفاق الطائف وأكد على الإنصهار الوطني بين المسلمين والمسيحيين، وعلى المساواة بين المواطنين (بغض النظر عن طوائفهم) في الحقوق والواجبات، والحفاظ على مشاركة فعّالة للمسيحيين في المراكز الأولى في الدولة.

ولكن ثمة مسؤولية مضاعفة على الأحزاب المسيحية في الحد من هجرة الشباب المسيحي إلى الخارج، عبر الإقلاع عن الخطابات الشعبوية وكل ما تتضمنه من تحريض وتخويف من الشريك المسلم، بحجة الدفاع عن المسيحيين، والإدعاء بأن المسلمين يتجاوزون صلاحيات المسيحيين في السلطة، لا سيما رئيس الجمهورية. كما أن الحروب السياسية والكلامية المزمنة بين هذه الأحزاب تلعب دوراً مؤثراً في زرع مشاعر القرف والإحباط في نفوس الشباب الذين يهرعون إلى السفر بحثاً عن لقمة العيش بكرامة، والتنعم بكنف الأمان والإستقرار.

وأخيراً، لا يتحمل المسلمون وحدهم مسؤولية تأخير الإنتخابات الرئاسية، حيث تلعب الصراعات المحتدمة بين الأحزاب المسيحية دوراً أساسياً في تعطيل جهود التوصل إلى مرشح تُجمع عليه الكلمة، ويحظى بأوسع تأييد وطني ممكن، على نحو ما حصل عشية إنتخاب العماد عون رئيساً بعد التوافق بين الرابية ومعراب.

وعظات البطريرك الماروني مار بشارة الراعي تضع اليد على الجرح كل أحد، ولكن لا حياة لمن تُنادي لدى الأحزاب المسيحية.