IMLebanon

مفهوم الأمن الروسي لمنطقة الخليج

 

 

منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، لعب الاتحاد السوفياتي دور حامي الشرق الأوسط من مطامع الدول الغربية حيث نسج علاقات مميزة مع العديد من دول المنطقة في حينها، لكنه بقي على مسافة من دول أخرى وخاصة دول الخليج. ما لبث هذا الدور أن تلاشى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي حتى بداية عام 2000 حين تولى الرئيس فلاديمير بوتين رئاسة روسيا، الوريث الأقوى للأتحاد السوفياتي. عمل الرئيس بوتين على تحصين روسيا داخلياً على المستوى الإقتصادي، الإجتماعي والأمني، وطوّر الدور الروسي عالمياً فارضاً روسيا كلاعب أساسي وقوي على الساحة السياسية العالمية وخاصة في الشرق الاوسط. شكّلت الحرب الاهلية في سوريا مدخلاً لروسيا لفرض نفسها كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط، حيث دعمت الجيش السوري عسكرياً ليقلب تراجعه وإخفاقاته في بداية الحرب الى انتصارات متتالية حتى لحظة كتابة هذا المقال.

يشير مصدر روسي رفيع المستوى الى أنه بعد هذا الوجود الجديد الروسي في الشرق الاوسط أعادت روسيا تحديث ونشر مفهومها الامني لمنطقة الخليج، ووزعت وزارة الخارجية الروسية هذه الاستراتيجية على جميع سفراء دول الخليج في موسكو، والتي تتضمن رؤية روسيا للأمن في الخليج وخاصة بعد استعار الصراع الايراني الخليجي بشكل غير مسبوق، وقرع طبول حرب ضروس شاملة في المنطقة ستكون لها تداعيات اقتصادية وعسكرية قد توازي خسائر الحرب العالمية الثانية. ومن المفيد ذكره، أنّ وثيقة مشابهة كانت قد نشرت في أواخر عام 1990 وتم تحسينها في عامي 2004 و 2007 ولكنها لم تلق الآذان الصاغية حينها، لأنّ دول الخليج كانت في أحضان الولايات المتحدة الأميركية.

 

ويضيف المصدر الروسي، أنّ تعاظم دور روسيا عالمياً وتطور المنظومة العسكرية الروسية وامتلاكها أسلحة نوعية تتفوق على منافستها الأميركية، دفع بعض دول الخليج للتجاوب ايجاباً مع المبادرة الروسية، والخارجية الروسية بانتظار الدول الباقية لتبدأ الخطوات العملية المذكورة في الوثيقة، مع الاخذ بالاعتبار انّ الرد الايجابي لبعض الدول الخليجية كان مفاجئاً، خاصة أنّ هذه الدول معروفة بقربها من الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية على حد سواء. ويضيف المصدر أنّ تصريح الرئيس الأميركي لقبوله الجلوس مع المسؤولين الايرانيين هو ردّ على هذا التقارب الروسي الخليجي الجديد، وليس بمبادرة من سلطنة عمان كما ذكر في بعض وسائل الأعلام. في هذه المقالة سننشر الوثيقة الروسية للمرة الاولى كما وردت حرفياً من وزارة الخارجية:

إنّ ضمان الأمن في منطقة الخليج استراتيجياً هو أحد التحديات الإقليمية الرئيسية في عصرنا. إنّ الصدمات العسكرية والسياسية، وتفجّر الأنشطة الإرهابية في السنوات الأخيرة في هذه المنطقة من العالم المليئة بالموارد الهيدروكربونية، محفورة بعواقب وخيمة على نظام العلاقات الدولية، وأمن الاقتصاد العالمي. على مدى عقود، استمر التوتر في منطقة الخليج وهذا يؤثر سلباً على الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم، ويتم إضافة بؤر التوتر الجديدة إلى التوترات القائمة.

في ظل الظروف الحالية، هناك حاجة لخطوات نشطة وفعّالة على المستويين الدولي والإقليمي لتطبيع وتحسين الوضع في منطقة الخليج، والتغلب على مرحلة الأزمة الممتدة وتحويل هذه المنطقة الفرعية نحو السلام وحسن الجوار والتنمية المستدامة.

تعتقد روسيا أنّ فكرة إنشاء نظام أمني في منطقة الخليج قد تكون ضرورية لتعزيز الجهود السياسية والدبلوماسية في هذه المنطقة، وهو يتضمن برنامج عمل طويل الأجل يهدف إلى تطبيع الحالة، وتحسين الاستقرار والأمن، وحل الصراعات، وتحديد المعالم الرئيسية والمعايير الخاصة بالهندسة المستقبلية لأزمات ما بعد الحرب. مبادرتنا هي تحديث للمقترحات الروسية التي تمّ إعدادها في أواخر عام 1990 وتم تحسينها في عامي 2004 و 2007.

يعتمد مفهوم روسيا لضمان الأمن في منطقة الخليج على المبادئ التالية:

  • في إطار ائتلاف واحد لمكافحة الإرهاب، فإنّ جميع أصحاب المصلحة في القضاء على مرتع التطرف والإرهاب في الشرق الأوسط وضمان تسوية سياسية مستدامة في سوريا واليمن ودول أخرى في المنطقة، هي أولوية. يجب القيام بأنشطة مكافحة الإرهاب تحت إشراف الأمم المتحدة على أساس متين من القانون الدولي، وينبغي أن يوفر ذلك الأساس لتسوية حالات النزاع وغيرها من النزاعات، وبهذه الطريقة بالضبط تم تحقيق الأهداف الرئيسية لإزالة الأسلحة الكيماوية في سوريا.
  • هناك حاجة لتعبئة الرأي العام في البلدان الإسلامية وغيرها من البلدان بهدف مواجهة خطر الإرهاب بشكل مشترك، من خلال الجهود المتكاملة في الفضاء الإعلامي.
  • يجب على جميع الأطراف الالتزام بالقانون الدولي، إلى ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي في المقام الأول. كلنا نهدف إلى شرق أوسط ديمقراطي مزدهر يشجّع على السلام والتعايش بين الأديان.
  • لا يمكن القيام بعمليات صنع السلام إلّا على أساس القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو بناء على طلب السلطات الشرعية للدولة التي تعرضت للهجوم. المعايير المزدوجة غير مقبولة هنا.
  • يجب أن يكون النظام الأمني في منطقة الخليج شاملاً؛ وينبغي أن يقوم على احترام مصالح جميع الأطراف الإقليمية والأطراف الأخرى المعنية، في جميع مجالات الأمن، بما في ذلك أبعادها العسكرية والاقتصادية والطاقة. وينبغي أن يراعي بالكامل ضرورة توفير المساعدة الإنسانية لبلدان وشعوب المنطقة المحتاجة، بغية معالجة حالات الصراع وتحقيق الاستقرار في المجتمعات.
  • تعد تعددية الأطراف آليّة لمشاركة أصحاب المصلحة في التقييم المشترك للحالة وعملية اتخاذ القرارات وتنفيذ القرارات. وإنّ استبعاد أي صاحب مصلحة لأي سبب غير مقبول.
  • ينبغي تحقيق التقدم نحو إنشاء نظام أمني من خلال البدء بأكثر المشاكل ملاءمة وإلحاحاً. هذه المخاوف، أولاً وقبل كل شيء، مكافحة الإرهاب الدولي، وتسوية الأزمات العراقية واليمنية والسورية وتنفيذ جميع الاتفاقات التي تم التوصّل إليها بشأن البرنامج الإيراني.
  • ينطبق هذا النهج التدريجي أيضاً على اعتماد منطقة الخليج والمجتمع الدولي لتدابير بناء الثقة وتوفير الضمانات الأمنية المتبادلة في المنطقة.
  • مع الأخذ في الاعتبار الترابط الوثيق للمشاكل الإقليمية، يعتبر إنشاء نظام أمني في منطقة الخليج جزءاً من الحل الذي يهدف إلى ضمان الأمن في الشرق الأوسط ككل. وفي هذا السياق، تعد مبادئ احترام السيادة والسلامة الإقليمية وتسوية القضايا والسياسة المحلية من خلال الحوار الوطني، ضمن الإطار الدستوري وبدون تدخل خارجي، من الأمور الحاسمة.

يمكن تقليد العمل العملي لإطلاق نظام الأمن في الخليج من خلال المشاورات الثنائية والمتعددة الأطراف بين أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدول الإقليمية والمؤثرة، مجلس الأمن الدولي، والدول العربية. يجب أن تؤدي هذه الاتصالات إلى إنشاء مجموعة عمل لإعداد مؤتمر دولي حول الأمن والتعاون في منطقة الخليج. يكلّف الفريق بالموافقة على التغطية الجغرافية لنظام الأمن المستقبلي، والمشاركين فيه، جدول الأعمال، مستوى التمثيل، مكان انعقاد المنتدى، وكذلك مع إعداد مشاريع المقررات، بما في ذلك تحديد تدابير الأمن وبناء الثقة والرقابة. وفي هذا السياق، تقدّم روسيا الاعتبارات التالية في ما يتعلق بمجموعة من تدابير الأمن وبناء الثقة والسيطرة كأفكار لمزيد من المناقشة والتطوير.

في ما يتعلق بالحالة في منطقة الخليج، على الدول داخل المنطقة وأصحاب المصلحة الإقليميين الإضافيين:

  • إعادة التأكيد على المجموعة الكاملة من التزاماتها القانونية الدولية، على وجه الخصوص عدم استخدام أو التهديد باستخدام القوة في تسوية النزاعات، واحترام سيادة الدول الإقليمية وسلامتها الإقليمية، والالتزام بتسوية النزاعات الإقليمية والحدودية فقط من خلال المفاوضات أو بالوسائل السلمية الأخرى، ووفاء بالتزاماتها الدولية بحسن نية.
  • تفترض الالتزامات المتبادلة للشفافية العسكرية مثل الحوار حول اجتماعات الدفاع الفرعية للمذاهب العسكرية، ومؤسسات الخطوط الساخنة، وتبادل الإخطارات الأولية للمناورات العسكرية والرحلات الجوية العسكرية، وتبادل المراقبين، والتخلّي عن النشر الدائم لقوات دول إقليمية إضافية في مناطق دول الخليج، وتبادل المعلومات المتعلقة بالأسلحة والمشتريات والقوات المسلحة.
  • توقيع اتفاق بشأن تحديد الأسلحة يمكن أن يشمل، على سبيل المثال، قيام وزراء بإنشاء مناطق منزوعة السلاح، وحظر تراكم الأسلحة التقليدية، بما في ذلك أسلحة الدفاع الصاروخي، والحد من موازين القوات المسلحة لجميع الأطراف.
  • بالنظر إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، اتخاذ خطوات لتحويل المنطقة إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
  • إبرام اتفاقات بشأن مكافحة الإرهاب من خلال التصدي للاتجار غير المشروع بالأسلحة والهجرة غير القانونية والاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة.

ومع تحقيق المزيد من التقدم في بناء النظام الأمني، ينبغي الشروع في مناقشة تقليص الوجود العسكري الدولي في المنطقة وتطوير تدابير بناء الثقة للدول الإقليمية وغيرها. الهدف الرئيسي على المدى الطويل هو إنشاء منظمة أمنية وتعاونية في الخليج الفارسي تشمل، بالإضافة إلى دول الخليج، روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وأصحاب المصلحة الآخرين كمراقبين أو أعضاء مرتبطين.

وينبغي متابعة الجهود الرامية إلى حل الصراعات المزمنة، أولاً وقبل كل شيء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي لا يزال أحد العوامل الرئيسية التي تزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها، مما يمكّن المتطرفين من تجنيد مقاتلين جدد في المستقبل. يمكن أن تصبح منطقة الخليج الفارسي عنصراً من عناصر النظام الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أخيراً، يشير البيان الى أنّ روسيا مستعدة للتعاون مع جميع أصحاب المصلحة من أجل تنفيذ هذه المقترحات وغيرها من المقترحات البنّاءة بهدف ضمان الأمن الدائم في الخليج. ويؤكد محللون عسكريون أوروبيون أنّ من مصلحة دول الخليج القبول بهذه الوثيقة، لأنّ الارتماء كليّاً في الاحضان الأميركية قد يعني حصول حلفاء روسيا على اسلحة نوعية تتفوق على الاسلحة الاميركية الموجودة عند الجيوش الخليجية، ومقارنة سريعة للخبرات العسكرية لحلفاء روسيا أمام الضعف الواضح لقوى التحالف في اليمن يعطي صورة واضحة لا لبس فيها عن نتائج اية حرب مستقبلية ستغيّر بلا شك وجه منطقة الخليج، وهذا أصبح معلوماً لدى وكالة المخابرات الاميركية والرئيس الأميركي.