IMLebanon

«العهد» وضرب حقوق الإنسان: الدولة أمام الملاحقة الدولية

 

شكّلت وفاة الموقوف حسان توفيق الضيقة بتاريخ 11 أيار الجاري محطة لافتة في تحرّك مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، كشفت تدهور الوضع الحقوقي في لبنان والإنهيار المترقّب لسمعة لبنان مع إفتضاح التدخّل المتوحش لمكوّنات الحكم في الشأن الحقوقي قمعاً وإعتقالاً وترهيباً.

 

يمكن تلخيص الموقف من خلال بيان صادر عن مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت والتي ركزت على النقاط الآتية:

 

– دعوة السلطات إلى إجراء تحقيق شامل وفعّال ومستقل، في وفاة الضيقة.

 

– حصول تدخّلات من هيئات تابعة للأمم المتّحدة، بما فيها المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان، مع السلطات اللبنانيّة بعد ادّعاءات بتعرّض الضيقة للتعذيب.

 

– إن «وفاة الضيقة المأساويّة تسلّط الضوء على أوجه القصور الخطرة للغاية في النظام القانوني وأنظمة السجون في لبنان». ولم يتمّ احترام الإجراءات القانونيّة منذ لحظة الإعتقال (..) وفشل دعويين قضائيتين في وقف التعذيب وتالياً الوفاة.

 

– قام ثلاثة خبراء مستقلين من الأمم المتحدة بإرسال رسالة في 25 كانون الثاني إلى الحكومة اللبنانيّة يعبّرون فيها عن قلقهم البالغ حيال اعتقال الضيقة التعسفيّ وسوء معاملته، وزُعم أنّه تعرّض للضرب المبرح، بما في ذلك على أعضائه التناسلية، وللصدمات الكهربائيّة، كما أُجبر على التعرّي، وأُرغم على توقيع اعتراف.

 

– دعت المفوّضية السامية السلطات اللبنانيّة الإسراع في تخصيص الموارد المطلوبة إلى اللجنة الوطنيّة لحقوق الإنسان في لبنان، التي تتمتّع بموجب التزامات البلاد الدوليّة بما يُعرَف بـ «آليّة الوقاية» التي يمكن أن تُحدث تغييراً ملحوظاً في تنفيذ أحكام اتفاقيّة مناهضة التعذيب، بما في ذلك في أماكن الاحتجاز.

 

أزمة عميقة في النظام الأمني والقضائي

 

يأتي موقف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ليكشف أزمةً عميقة تضرب النظام القضائي والأمني فيما يتعلّق بمجمل ملف حقوق الإنسان، وهو أمرٌ لم يكن يحظى بإهتمام دولي كافٍ لأسباب عدّة، منها سمعة لبنان (السابقة) كبلدٍ ديمقراطي ضامن للحريات قبل أن تتعرّض لسلسلة إنتهاكاتٍ خطرة بدأت من خلال تغوّل القضاء العسكري في الحياة العامة، وتفاقمت منذ تولّي الرئيس ميشال عون رئاسة الجمهورية، عندما ساد «إجتهاد» ملاحقة الناشطين على وسائل التواصل الإجتماعي أمام القضاء الجزائي أو حتى العسكري، بدل مثولهم أمام محكمة المطبوعات، وأدّى هذا التوجّه إلى ملاحقة مئات الناشطين والإعلاميين وسجن بعضهم وإرهاب الكثيرين منهم.. على يد وزير الخارجية جبران باسيل بشكلٍ خاص.

 

الأسوأ من هذا أن محاولات فضح الفساد المستشري جوبهت بقانون يعطّلها، لأنه يضع قيوداً هائلة على كل من يريد الإدّعاء في قضايا الفساد، الأمر الذي حوّل الشعار إلى مادةٍ للصراع السياسي بين الأطراف المتناحرة.

 

الأخطر من كل ما سبق ما كشفته الوقائع من صراعات عنيفة بين المدعين العامين، وتحديداً المحسوبين منهم على العهد، والذين يبدو أنهم إنتشـَوا بفائض السلطة، فأدخلوا القضاء والأجهزة الأمنية في دوامةٍ خطرة من الصراعات على خلفية ملفات معروفة المضمون وشاهد اللبنانيون والعالم فصولها المكشوفة. يحصل كلّ هذا بينما القضاء غارقٌ في إشكالية البطء في المحاكمات، بحيث بات هذا السلوك سمةً ملتصقة بالقضاء في لبنان.

 

* ما بين قضايا التعذيب وغياب برنامج فعّال لإصلاح السجون وخطة واقعية لتحصين لبنان من الإرهاب ومكافحته إستباقياً على جميع المستويات: الأمنية والفكرية والتنموية بعد تراجع التنسيق بين الأجهزة الأمنية الذي كان الوزير نهاد المشنوق قد أرساه خلال السنوات الخمس الماضية *، والتمييز ضد الموقوفين في ملفات الإرهاب، وإنكشاف فضائح لا تنتهي من الفساد، وإستشراء الإجرام البيئي (كسارات وتلويث الأنهار والبحر المتوسط وأزمة النفايات)، والإستخدام السلبي لموقع وزير العدل وتسييسه بشكلٍ مفرط، وخاصة خلال ولاية الوزير السابق سليم جريصاتي..

 

بدأت تتشكّل رؤية شديدة السلبية للبنان في المحافل الحقوقية العالمية، بحيث باتت الإنتهاكات الحاصلة موضع متابعة مباشرة من مجمل الجهات الدولية.

 

وما يجدر الإنتباه إليه هو أن قضايا حقوق الإنسان تشهد تطوّرات وتحوّلات عميقة ستفرض نفسها على الجميع، ومنها ملاحقة الجرائم البيئية بإعتبارها جرائم عابرة للحدود تصل أضرارها إلى الدول والمجتمعات بشكل واسع النطاق (تلويث البحر والأنهار والهواء وإستهداف الطيور المهاجرة..)، وكذلك إعتبار جرائم الفساد شكلاً من أشكال الإرهاب الواجبِ مكافحته.

 

سمعة لبنان مهدّدة

 

تتجاهل الحكومة وجود 211 شكوى بحق الدولة اللبنانية لدى المنظمات الحقوقية الدولية وأن المحققين الثلاثة الذين تحرّكوا في قضية الموقوف المتوفى حسان الضيقة، لم يتوقفوا في نقاشاتهم عند هذه القضية فحسب، بل إنهم توسّعوا ليناقشوا كل الملفات. وفي العام 2020 ستجد الحكومة نفسها أمام ترجيح تشكيل لجنة دولية ذات صلاحيات واسعة للتحقيق في الجرائم المشار إليها، وفي حال عدم التعاون سيتم تحويل الملفات إلى مرجعيات حقوقية أممية تتولى إجراء التحقيقات وإصدار القرارات التي ستجد طريقها تلقائياً إلى لوائح الإنتربول.

 

لمست المفوضية السامية لحقوق الإنسان تجاوباً سريعاً من وزيرة الداخلية ريّا الحسن التي أعربت عن رفضها تغطيةَ أيّ مخالفة أو خرقٍ لحقوق الإنسان، بينما وجدت المفوضية تحفظات وميلاً إلى عدم التعاون لدى وزير العدل ألبير سرحان فيما يخصّ قضية الضيقة وفي مجمل الملفات، ومن الواضح أن هذا المسار لن يشهد خطواتٍ سريعة وشفافة، خاصة في ظلّ الصراع المحتدم بين من أُطلق عليهم «قضاة العهد» وتفسّخ أجنحة مكونات الحكومة وترك قضايا الحريات والحقوق مستباحة من جهات أمنية وحزبية تحوّل لبنان عملياً إلى دولةٍ أمنية.

 

دعوة إلى المبادرة

 

أمام هذا الواقع من الضروري أن تتحرّك نقابتا المحامين في بيروت والشمال والجمعيات والناشطين والنواب «الأحرار» سريعاً لتأمين التوازن في مقاربة القضايا الحقوقية والإنسانية والتواصل مع المؤسسات الدولية لتحقيق هدفين أساسيين:

 

– إعادة الإعتبار لقضايا حقوق الإنسان والتصدّي للإنتهاكات وطنياً والدخول على خط التشريعات لوقف التدهور الخطر الحاصل في هذا الملف.

 

– حماية سمعة لبنان وملاقاة المؤسسات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان في لبنان والتعاون معها والإفادة من وزنها المعنوي والقانوني لتدعيم منطق الدولة وإسقاط التغوّل الأمني والميليشياوي السائد في الوقت الراهن.