كرامة المواطن فوق الكرامات المدّعاة، الجبل نموذجاً

 

كيف يمكن الخروج من الستاتيكو الحكومي في ظل واقع التوازن الإقليمي والدولي الحادّ؟ سؤال يطرحه بشكل دائم معسكر المقاومة والممانعة في لبنان في ضوء ضيق الخيارات لإحداث متغيّر وازن يحظى باهتمام القوى المعنيّة بالشأن اللبناني. العراضة المسلّحة التي حصلت في قرى الشوف، والتي توّجت حملة الشتائم والإهانات الموجّهة لشخص رئيس الحكومة، كانت أحد الخيارات الضيقة المتاحة التي أريد منها كسر التوازنات الداخلية وتغيير ميزان القوى القائم لصالح حزب الله، بما يستدعي الخارج للتفاوض على أشلاء الدولة المتحلّلة. التصميم على العبث بأمن الجبل إعداداً وتنفيذاً وما تلاه لم يُثر قرف اللبنانيين فحسب، بل استفزهم لأنهم لم يروا فيه إلا سيناريو مرشح للتعميم على سائر المناطق اللبنانية ولم يقنعهم كلّ ما أُلصق به من عناوين. سيناريو الجبل وما تلاه أتى بعد أيام على إحراق مراكز للجيش في حي الشراونة قبيل تنفيذ مهمة أمنيّة في المنطقة المذكورة. المثالان يحاكيان تصميماً على إسقاط فكرة الدولة من عقول اللبنانيين بعد أن أسقطت الإنتماءات والولاءات المتعدّدة فكرة الوطن، أو كادت، ودفعهم للبحث عن الأمن في كنف قوة الأمر الواقع.

اجتازت منطقة الجبل اختبار المناعة الوطنية الذي فُرض عليها، وفشل المغامرون مرة جديدة بعد فشلهم السابق في 7 أيار بالرغم من إعلان الأمين العام لحزب الله ذلك اليوم يوماً مجيداً في تاريخ لبنان. المخططون المغامرون لم يتغيروا والمدافعون عن الاستقرار هم المواطنون عينهم. المواطنون الذين أفشلوا الاعتداء المسلّح في 7 أيار وأفشلوا الأسبوع المنصرم المواكب الغوغائية التي أُريد لها أن تتحوّل الى فوضى عارمة، كما ساهموا بقيام قوى الجيش بمهامها وتوقيف العابثين بالأمن، لم يكونوا في حالة دفاع عن إقطاع عائلي أو وقف طائفي، بل قاموا بذلك بصفتهم المواطنية وليس بصفتهم الطائفية. لم يفلح الوزير المطلوب إحضاره بالتخندق وراء ما أسماه كرامة الطائفة واستدعاء أبنائها من الجولان الى حاصبيا وراشيا لرد الإساءة. أدرك المواطنون في الجبل أنّ العابثين بأمنهم ليسوا قطعاً من طينتهم في المواطنة وإن جمعهم بهم الإنتماء الى طائفة واحدة.

من الطبيعي جداً أن لا يدين المواطنون في الجبل بنفس الولاء السياسي وقد يكون العديد منهم في طور البحث عن بدائل، ولكن هذه البدائل ليست مبنيّة سوى على الإيمان بالدولة وسلطة القانون والمؤسسات. إنّ مدّعي محاربة الإقطاع السياسي في الجبل أو في غيره من المناطق لم يمثّلوا سوى قفزة في الظلام لا طائل من ورائها سوى تكرار تجارب فاشلة بلغة الحرب الأهلية الشاملة. ومحاربة الإقطاع السياسي لديهم تحوّلت الى قناع تختفي وراءه مشاريع هيمنة خارجية وطبقة سياسية يديرها مشايخ وتجار وعملاء وأحياناً قتلة. الوزير المطلوب إحضاره لم يُدرك أنّ المواطنين في الجبل وبالرغم من تمسّكهم بجذورهم وتقاليدهم لا يمكن استنفارهم باسم الطائفة، بل هم يستنفرون بالاعتداء على مواطنيتهم وحقوقهم وأمنهم وهم لا يبحثون عن كلّ ذلك خارج إطار القانون والمؤسسات، وهم لا ينشدون ذلك من حسن نصرالله الذي ذهب الوزير السابق للاحتماء بعباءته.

هل يمكن الحديث عن كرامات للطوائف في وطن يُستباح فيه القانون والدستور كل يوم، وهل يمكن أن يتكلم عن ذلك من يرفضون الانصياع للقانون؟ لا كرامة للطوائف من دون كرامة للمواطنين الذين يعتنقونها، فالطوائف فعل انتماء اجتماعي للأحرار وليس للعبيد. كرامة المواطن هي أساس انبثاق كل الكرامات. كرامات الطوائف والمواقع والأحزاب أساسها كرامة المواطن وليس العكس. لا كرامة لشيعة أو سنّة أو دروز أو مسيحيين من دون كرامة المواطن الفرد، وهذه الكرامة لا تستعاد بالمزيد من انتهاك القانون من قبل أي حزب. حزب الله الذي استدعاه الوزير المطلوب إحضاره لحمايته ليس مصدر الكرامات ولا يحتكر حمايتها لوحده على امتداد الوطن، بل إنّ كرامة الحزب وقيادته ومقاومته من كرامة المواطن، أي مواطن من عكار حتى الناقورة ومن السلسلة الشرقية حتى البحر.

تجربة الجبل قد تكون جولة في محاولات ستتكرّر، ولكن كرامة المواطن ستبقى الأساس في عدم تمكين الحاكم المتسلّط من أن يصبح قائداً شعبياً، وفي عدم تحويل العصابات الى قوات وطنية والحزب الطائفي أيّاً يكن إلى حزب الخالق.

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات