IMLebanon

استعصاء عون يُحْرج «الحلفاء» … وانتظار «التطمينات الأميركية» ليس مضموناً

 

«حزب الله» يُحيّد ورقة تأليف الحكومة عن خطة التصعيد الإيراني في المنطقة!

 

البلاد أمام انسداد كامل ولا حلول في الأفق. يتمُّ تظهير الأزمة على أنها خلاف على الصلاحيات والحصص والحقائب والأسماء بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف تشكيل الحكومة. هذا جزء من المشكلة، لكنه ليس كلها. السبب الحاسم ذاتيّ وشخصي،وله علاقة مباشرة بالمستقبل السياسي لصهر الرئيس. يقول أحد العارفين: إذا لم يأتِ أحد ليطمئنميشال عون على مستقبل جبران باسيل، ستبقى رئاسة الحكومة عالقة. باسيل على لائحة العقوبات الأميركية، مستقبله معلّق ويحتاج حلاً من الأميركيين. لا كلام مطلقاً أن إدارة جو بايدن تنظر إلى لبنان على أنه أولوية، ولا مسار رفع العقوبات سهل بل هو طريق طويل.

المأزق أن حالة الاستعصاء التي يُشكّلها رئيس الجمهورية تجد ملاذاً لها في قلب الصراع الإقليمي الذي ينخرط فيه «محور إيران» ويُشكّل موقع الرئاسةبتحالفه مع «حزب الله» جزءاً منه. ولكن ثمة من يرى أن حقيقة المأزق تكمن في أن أحداً، حتى من حلفائه، غير قادر على تجاوز موقع الرئيس، وهذا بات يسبب إحراجاً لهم.

يصر لصيقون بـ»المحور» على التأكيد بأن تأليف الحكومة لا يضير بـ»حزب الله» ما دامت لا تتجاوز مصالحه ولا خطوطه الحمر على المستوى الاستراتيجي، وأنهتالياً لا يأخذها رهينة لملاقاة حال التصعيد الذي تمارسه طهران في ساحات نفوذها، لاستخدامها ورقة من أوراق التفاوض الإيراني مع أميركا، ذلك أنه يستخدم الساحة اللبنانية في السياق الاستراتيجي من البوابة الإسرائيلية، ويأتي استهدافه للطائرة الإسرائيلية المسيّرة فوق الزهراني الأسبوع الماضي في سياق التصعيد الدائر في المنطقة، حتى إن استهداف الناشط السياسي لقمان سليمان جرى إدراجه في إطار حسابات تصعيد المواجهة مع الإدارة الأميركية الجديدة كما اختبارها، على أن هذا كله، من وجهة نظر اللصيقين بـ»الحزب» منفصل عن مسار تأليف الحكومة.

يذهب هؤلاء للإشارة إلى أن الحكومة مطلب فعلي عند»الحزب» لتأخذَ دورها في التخفيف عن واقع الناس الصعب اقتصادياً ومالياً وصحياً في ظل الأزمات المتعددة والتي تفاقمها جائحة كورونا، وحاجة لـ»شدشدة» الموقف الداخلي، ولاسيما أن المرحلة المقبلة مفتوحة على تحديات كثيرة،ومخاوف حقيقية مع مناخ التصعيد المتوقع أن يرتفع منسوبه وشكله ومداره وبنك أهدافه. فمنذ أن دخل الرئيس الأميركي الجديد «البيت الأبيض» حرّكت إيران أذرعها كافة، سواء في العراق أو اليمن أو سورياأو لبنانوحتى في أفغانستان وصحراء سيناء.

والمأزق أيضاً أن الحريري عالق هو الآخر بين مطرقة الرئيس وسندان «حزب الله» الذي يلعب بالساحات النازفة. فإذا قدّم الرئيس المكلّف تنازلات في تأليف الحكومة، فإنه يُريدُ أن يضمن أن حكومته صالحة وستحظى بغطاء عربي وتحديداً خليجي، وأنها ستلقى دعم الغرب والمؤسسات الدولية. فتأليف حكومة من دون الضمانات الخارجية التي ستفتح الطريق أمام مساعدات عربية ودولية، هي وصفة فشل ستكون انعكاساتها مدمرة على البلاد وعلى موقعه وحيثيته السياسية.

في المعلومات، أن قنوات فُتحت فرنسياً مع «حزب الله» وعون من أجل بحث أفكار جديدة من شأنها أن تُفرج عن الحكومة. الكلام أن المطروح فرنسياً هو جسّ النبض داخلياً للقاء ثنائي بين الحريري وباسيل، ولو اقتضى الأمرفي العاصمة الفرنسية،لفتح كوّة في الجدار. ينقل زائرون للقصر الجمهوري عن عون قوله إنه «إذا لم يرَ الحريري وباسيل يدخلان معاً إليه، فلا أمل في أن يتزحزحَ عن موقفه من الحكومة». ولكن هل يعني ذلك أن مستقبل باسيل السياسي قد أضحى واضحاً، وأن العقبات من أمامه في معركة الرئاسة المقبلة قد أُزيحت وأنه بات ضامناً لموقعه في المعادلة المستقبلية التي لا تزال غير واضحة المعالم إذ لم تصل المنطقة إلى نهائيات في الصراع، وما زالت الضغوط في بدايتها؟

ما يتمُّ تسريبه أن المبادرة الفرنسية قد تخضعُ لتعديل،فمن حكومة اختصاصيين إلى حكومة اختصاصيين مطعّمة بسياسيين. يطرح الفرنسيون صيغة لحقائب الداخلية والعدل والطاقة بأن تكون التسمية مشتركة بين الرئيسين. في نظر المراقبين أن كل ما يُطرح لا يرقى إلى مستوى الحلول الفعلية للأزمات التي تعيشها البلاد وليست سوى عملية ترقيع مؤقتة حتى ولو أنتجت حكومة. فما يجري البحث عنه لا يتعدّى كونه حلولاً عادية لأزمات معقدة وعميقة ضربت مقومات لبنان ومرتكزاته على مختلف الصعد والمستويات، في وقت أن المطلوب حلول تتناول جوهر المشكلات، وفي مقدمها المشكلات السياسية.

كان لافتاً بالأمس كلام وزير الداخلية السابق النائب نهاد المشنوق عن ضرورة قيام جبهات تدعو إلى الاستقلال الثالث للبنان بعدما بات تحت الاحتلال السياسي الإيراني. المشنوق تحدث عن تحرير بوسائل سلمية وبالسياسة وليس بالسلاح، وهو أمر يحتاج إلى دعم عربي وغربي، لأن اللبنانيين لوحدهم غير قادرين على ذلك.

كلام المشنوق سيجري قياسه على أساس فردي لا يُعبّر عن موقف «الجماعة» وقراراتها، تماماً كما هي مواقف النائب المستقيل مروان حمادة و»لقاء سيدة الجبل»، الذي يُشكّل النائب السابق فارس سعيد عمادهمع بعض الناشطين السياسيين والمفكّرين من أمثال رضوان السيد،ولا بد من أن تتقاطع مع مواقف القوى السياسية، ولاسيما النواب المستقيلين في ضوء كارثة انفجار مرفأ بيروت. ما يُسجل من مواقف وتحركات لا تزال عاجزة عن فعل تغيير ملموس في ظل تكاتف المنظومة الحاكمة ونجاحها في تفتيت «ثورة 17 تشرين» وترهيب الناشطين، وستكون مهمتها أصعب مع عودة الاغتيالات، لكنها أضحت نواة قابلة أن تتّسع وتتشابك سياسياً إذا توفرت لها ظروف داخلية وخارجية قد لا تكون مستحيلة. ففي يوم من الأيام الغابرة، كان خروج الوصاية السورية حلماً بعيداً لكنه تحقّق… ولا شيء يمنع من أن يتحققَ حلمُ التحرّر من الوصاية السياسية الإيرانية.