IMLebanon

الحكومة رهن تنازلات متبادلة لمصلحة تمثيل شامل

توحي المواقف الإيجابية المتلاحقة منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، مروراً بالاستشارات النيابية الملزمة التي انتهت بتكليف الرئيس سعد الحريري تأليفَ الحكومة الجديدة، وصولاً إلى الاستشارات النيابية غير الملزمة لتأليف الحكومة، أنّ الولادة الحكومية ستكون قريبة، لأن لا مصلحة لأحد في تأخيرها أو تأخّرها، وأنّ ما يُسهّل الولادة هو التنازلات المتبادلة لمصلحة تمثيل حكومي شامل.

لكنّ هذه الإيجابيات لم تترجَم عملياً بعد، بل إنّ البعض يلاحظ أنّها قد بدأت تنحسر تحت وطأة تنافسِ حادّ بين القوى السياسية على الاستيزار وعلى تقاسمِ الحقائب الوزارية التي باتت مصنّفة بين «سيادية» و«أساسية» و«عادية»، وكلّ ذلك يُصادف أنّ الحكومة العتيدة هي حكومة انتخابات وأنّ البعض يتصرف في السعي للدخول الى «جنّتها» وفق مقولة: «من سَبق شمّ الحبق». إذ تعوّل القوى التي ستحظى بـ «نعمة» التوزير على أن يكون ذلك رافعةً لها في الانتخابات النيابية المقبلة، ولذلك يرغب هذا الفريق السياسي أو ذاك في الاستحواز على وزارات «دسمة»، أي خدماتية، لتعزيز رصيده الانتخابي الذي يَكفل له الفوز بالمقاعد النيابية التي يَطمح إليها.

وفي جانب من التنافس بدا أنّ بعض القوى يضع «فيتو» على هذا الاسم أو ذاك، وليس «فيتو» على الوزارة التي اتّفق على أن تكون من حصّة الجهة أو الطائفة التي ينتمي إليها، ما قد يَخلق «فيتو» مقابلاً لدى هذه الجهة على أسماء في الفريق ردّاً على «فيتواه» إذا جاز التعبير.

المتفائلون يتوقعون ولادةَ الحكومة بين عشية عيد الاستقلال في 22 الجاري وبين عيدَي الميلاد ورأس السنة. أمّا المتشائمون فإنّهم يخشون من أن يطول التنافس، بل الخلاف، على التوزير وتوزيع الحقائب الوزارية بما يؤخّر التأليف الى أبعد من ذلك.

لكنّ أحد الأقطاب السياسيين يقول إنّ عون والحريري ملتقيان على أن لا مصلحة لهما في تأخير ولادة الحكومة وأنّهما سيتعاطيان بمرونة قد تصل الى حدود تقديم تنازلات معيّنة لتسهيل التأليف، لأنّ تأخّرَه قد يصيبهما بنكسة سياسية ومعنوية في بداية انطلاقة العهد الجديد الذي يُفترض ان ينطلق بزخمٍ كبير لتحقيق ما يعِد به، خصوصاً أنّهما وصَلا إلى موقعيهما بعد كثير من العمل والجهد والانتظار، فضلاً عن أنّ البلاد تحتاج الى مِثل هذه الانطلاقة لتدخلَ في آفاق الحلول للأزمات الماثلة على مختلف الصعد.

على أنّ ما يحتاجه العهد بدايةً هو استعادة الثقة العربية والدولية بلبنان حتى يتمكّن من البناء عليها لإطلاق ورشة الإصلاح والتغيير، وهي ورشة لن تبدأ إلّا بقانون انتخابي عصري يحقّق عدالة التمثيل وشموليتَه لكلّ أبناء الشعب اللبناني وفقاً لأحكام الدستور المنبثق من وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ«إتفاق الطائف»، وفي رأي البعض انّ عدم التوصّل الى مِثل هذا القانون والاستمرار في قانون الستين النافذ، أو الذهاب الى «تمديد تقني» للمجلس الحالي، سيكون غيرَ محمود العواقب السياسية والمعنوية على الجميع.

ويقول سياسيون إنّ طبخَ التشكيلات الوزارية جارٍ، ولكن حتى الآن لم ينضج أيّ شيء، وإنّ الأمر متروك على همّة عون والحريري وكيف سيتصرّفان في مجال تمثيل القوى السياسية والطوائف في الحكومة، وكذلك في مجال توزيع الحقائب الوزارية، ولا سيّما منها «السيادية» و«الأساسية»، حتى الآن يبدو في الأفق بعض العقد الناجمة من تكبير بعض القوى السياسية حجمَ مطالبها من المقاعد والحقائب،

ومِن هذه القوى حزب «القوات اللبنانية» الذي يطالب بحقيبة سيادية وأخرى أساسية وثالثة عادية، في الوقت الذي لم يُعرف بعد كيف سيتمّ توزيع الحقائب على الطوائف والقوى المسيحية، ولم يظهر بعد ما إذا كان رئيس الجمهورية سيطلب أن تكون له حصّة من هذه الحقائب الوزارية في حال قرّر الأخذَ بعرفٍ دُرِجَ عليه في بعض العهود السابقة خلافاً للدستور الذي لا يقضي بأن يكون لرئيس الجمهورية مِثلُ هذه الحصّة، لا سيّما وأنّ الدستور جعَله رئيساً للدولة ورمزَ وحدةِ الوطن وحَكَماً بين المؤسسات والسلطات، لا طرفاً مشاركاً فيها، خصوصاً في مجلس الوزراء، حيث الدستور يمنَح الرئيس صلاحية ترؤسِ جلساته عندما يشاء من دون أن يحقّ له التصويت على القرارات التي يتّخذها، ولكن إذا كانت له حصّة وزارية يصبح مشاركاً في التصويت قبولاً أو رفضاً بطريقة غير مباشرة ويكون في هذه الحال طرفاً وليس حكماً.

وفي هذا السياق يقول معنيّون بتشكيل الحكومة إنّ رئيس الجمهورية لم يصدر عنه بعد أيّ موقف أو توجّه يشير إلى أنّه يريد أن تكون له حصّة وزارية إلى جانب حصة «التيار الوطني الحر» وتكتّل «التغيير والإصلاح»، في وقتٍ بدأ البعض يقول إنّ مثلَ هذه الحصة من شأنها أن تفتحَ الباب لأن تكون لكلّ من رئيس مجلس النواب ولرئيس الحكومة حصّة وزارية مماثلة بالإضافة الى حصّة الفريقين السياسيين اللذين ينتميان إليهما،

أي حركة «أمل» وتيار «المستقبل»، وفي هذا ما يشكّل مخالفة إضافية للدستور ولتأليف الحكومة التي ينبغي ان تكون حكومة وفاق وطني تتمثّل بها كلّ الاطياف السياسية والطائفية لا الرئاسات الثلاثة وأحزابهم فقط، إذ لا يمكن ان تكون الحكومة في أيّ حال مكوّنة من وزراء للرؤساء الثلاثة مضافاً إليهم وزراء للأحزاب والتيارات السياسية التي يرأسون ومضافاً إلى كلّ هؤلاء وزير حزبي أو محسوب على هذا التيار أو ذاك، ربّما يعيّن بمعزل عن رأي طائفته أو قوى أخرى فيها تستحق التمثيلَ.

ولذلك فإنّ الحكومة الجديدة المنتظَرة ستكون في رأي كثيرين مؤشّراً على توجّهات العهد الى ترجمة ما ورَد في خطاب القسَم الذي لاقى ترحيباً لدى الجميع في الداخل والخارج، فهذه الحكومة التي يقول الطائف والدستور بأن تكون «حكومة وفاق وطني» وقد عبّر الرئيس سعد الحريري إثر تكليفِه عن أنه يريدها كذلك، ما يفرض ان تكون شاملةً التمثيل لجميع الأطياف السياسية، خصوصاً أنّ المهمة الأولى التي تنتظرها هي إقرار قانون انتخابي يحقّق شمولية التمثيل في الندوة النيابية.

في أيّ حال يقول متابعون للاتصالات المشاورات الجارية لتأليف الحكومة إنّه لم يحصل بعد أيّ تطوّر جوهري يُعتدّ به حتى الآن في هذا المضمار، لكن بعض الخطوات الأولى من البحث الجدّي قد بدأت بعيداً من الأضواء عبر قنوات رفيعة جداً بغية سبرِ أغوار مواقف جميع الأطراف السياسية قبل طرح التشكيلات الوزارية، فالبحث لم يَدخل بعد في أسماء الوزراء، وإنّما ينصبّ على حجم الحكومة وعلى توزيع الحقائب الوزارية السيادية وغير السيادية، على أن يتمّ إسقاط الأسماء عليها إثر الاتفاق على حصَص كلّ فريق من هذه الحقائب من حيث النوعية والعددية.

وحتى يتمّ التوصّل إلى مِثل هذا الاتفاق يُفترض أن تَضمُر «الحصص الوزارية المنفوخة» التي يطالب بها البعض، لأنّ مثلَ هذا الضمور «يرَحرح» المعنيّين ويمكّنهم من تحقيق التمثيل الشامل في الحكومة، ويُعجّل في ولادة الحكومة مثلما يَطمحون.