IMLebanon

ثورة 17 تشرين أمام مكابرة السلطة وتحديات الاستمرار

 

العودة للساحات مع تحديد المطالب والاعتراف بالأخطاء

 

تدخل الثورة يومها التاسع والثمانين. تبدو وحيدة، مستهدفة، ومحاصرة بكل ما استطاعت الطبقة السياسية تجريده من أسلحة، بعدما كانت التوقعات والمؤشرات قبل شهر بأن تحقق مزيداً من المكاسب والنقاط على حساب السلطة الغارقة في فشلها وتعنّتها وانفصالها. في المقابل، تدّعي السلطة، أو هكذا تتظاهر، بأنها استعادت زمام المبادرة؛ تناور، تهرب للأمام، تراكم الأخطاء والفضائح، تختلف على الحصص، تمعن في اغتصاب حقوق الناس وتجويعهم وإفلاسهم وإذلالهم.

 

منذ اليوم الاول لانطلاق ثورة 17 تشرين 2019، كانت كل التوقعات والمؤشرات تَشي بأن السلطة الحاكمة ستسعى لمصادرة غَضبة الناس، وتفريغ ثورتهم من مضمونها، وحرفها عن مسارها في إنقاذ البلد، وتصحيح الخلل في إدارة الشأن العام. لجأت بداية إلى منطق التخوين والاتهام، ثم إلى غزوات الشبيحة وعصا مكافحة الشغب، ثم إلى ألاعيب تفهّم المطالب والدعوة للحوار، ثم لتعميم الشائعات حول المجاعة والإفلاس، وإلى إذلال الناس في تحصيل مرتباتهم ومدخراتهم عبر احتجازها تعسفاً في المصارف من دون وجه حق.. تعددت أساليب الترهيب والاحتيال والهدف واحد؛ تفريغ ثورة الشعب وحرفها عن مسارها ومحاولة تعويم الطبقة الحاكمة من جديد. وما زاد في الأمر التباساً تزامن عطلة الأعياد مع هدوء في الساحات وضخّ إعلامي مركّز يهدف إلى الإيحاء بأن انتفاضة الشعب تراجعت، وأن الناس تعبت، وأن الرهان القائم للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية والحياتية المستفحلة هو على السلطة ووجوهها وأحزابها، وإلا.. فالجوع والإفلاس والتعتيم والانهيار التام.

 

مطبات الثورة المضادة

 

عشية دخول الثورة شهرها الرابع، يبدو ضروريا التنبيه من مطبات «الثورة المضادة» التي تراهن عليها السلطة وتتجلى في أشكال ومظاهر وخطوات عدة، وأيضاً من أخطات تكتيكية وقعت فيها مجموعات الانتفاضة، ومنها:

 

أولاً: الوضع الإقليمي: كان في تقدير سلطة تحالف السلاح والفساد في لبنان أن تطورات الوضع الايراني بعد مقتل القيادي في الحرس الثوري قاسم سليماني سيرتد لمصلحتها، خصوصاً مع إعلاء سقف التهديد والوعيد ضد القوى العالمية الكبرى، لكن مع تكشف الرد الايراني الهزيل، عسكرياً وسياسياً (ضربات عين أسد وما تلاها من تصريحات تستدرج التفاوض مع واشنطن) والخائب (إسقاط الطائرة المدنية الاوكرانية وما سيترتب عليه من تبعات قانونية) ومن ثم تجدد الانتفاضة الشعبية في ايران بحيوية أكبر، وما رافق كل ذلك كاعتقال السفير البريطاني في طهران ثم اطلاق سراحه؛ مع كل ذلك بدا أن الأمور ترتد على النظام الايراني المصرّ على إفشال الثورات الشعبية في ساحات هيمنته، لا بل تبدو الثورات وكأنها تكبر وتتدحرج، فبدلاً من سحق الانتفاضة في إيران العراق ولبنان جددت الثورة شبابها في طهران وبغداد وبيروت، وبدلاً من استدراج العروض للتفاوض مع واشنطن يبدو النظام الإيراني محاصراً بقضية الطائرة الأوكرانية على غرار قضية «لوكربي» الشهيرة.

 

ثانياً: الحكومة: منذ تكليف حسان دياب لتأليف الحكومة، بدا أن الارباك والتسريبات والاتهامات المتبادلة وخلافات أبناء الصف الواحد تحاصر عملية التشكيل. سموا دياب للمهمة متجاوزين اعتبارات ميثاقية خطيرة ثم وضعوا العراقيل في طريقه، لا يريدونه أكثر من شماعة للمحاصصة التي تحكم ذهنية أركان السلطة، قبل أن تظهر نغمة جديدة مفادها أنه بعد مقتل سليماني تغيرت الأمور وباتت الحاجة لحكومة سياسية لزوم المواجهة، وكأن لبنان مكلف بالرد على أميركا نيابة عن طهران!! في الخلاصة ما يجري على صعيد التشكيل، هو تأكيد المؤكد أن السلطة التي خرج الناس يهتفون ضدها لا تريد الاعتراف بالمتغيرات التي حصلت، وهي وإن ناورت في القبول بحكومة اختصاصيين فوفق فهمها المفخخ لمفهوم الاختصاص، فهل من فرق بين الوزير الحزبي الذي يعينه فريقه السياسي وبين وزير التكنوقراط الذي يحظى بمباركة الحزب أو الزعيم؟!

 

ثالثاً: الإعلام: في مؤشرات الثورة المضادة، غياب الإعلام عن مواكبة التظاهرات، ليس هذا فحسب، بل عادت معظم وسائل الإعلام لعادتها القديمة في توفير منابر لرموز السلطة، وتلميع صورتهم، بعد أن كانوا اختفوا واحتجبوا لفترة، فازدحمت الشاشات بكبار المحللين الاستراتيجيين والكتّاب والمنظّرين الذين يبشرون بانتهاء الثورة وتلميع صورة الطبقة السياسية.

 

ضرورة النقد الذاتي

 

رابعاً: عدم الاعتراف بالأخطاء، أخطات الثورة حينما همّشت الشعارات التي تلامس وجع الناس وتفضح فساد السلطة، وانساقت، بمبرر ومن دون مبرر، نحو أهداف كبرى يعلم القاصي والداني أن تحقيقها صعب المنال في بلد كلبنان، مثلاً المطالبة بالدولة المدنية بدلاً من التمسك بأولوية الحكومة الانقاذية والانتخابات المبكرة وملاحقة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة قبل أي شيء آخر. وأخطأت بعدم الاتفاق على مجموعة تفكير تخطط لمسارات وخطوات كل مرحلة بما يتناسب معها، بدلاً من ظهور أفراد يسعون (بحسن نية) لتسويق الذات أكثر من انقاذ البلد.

 

وأخطأت الثورة حينما ركزت على موظفي المصارف بدلاً من أصحابها، وعلى استمرار ظاهرة قطع الطرقات بشكل عبثي (في الشمال خصوصاً) بالرغم من الإدراك أن هذه الخطوة تفتح الباب لاختراق الأجهزة، وتؤذي داعمي الثورة وجمهورها أكثر بكثير من رموز السلطة.

 

لا يحتاج المرء لكبير عناء لاكتشاف فساد السلطة الحاكمة، آخر الفضائح قضية عدم سداد حصة لبنان في ميزانية الأمم المتحدة. ففي وقت يصول وزير الخارجية المقال بضغط الثورة جبران باسيل، على عواصم العالم برفقة «دزينة» من الحرس، فاتحاً صالونات الشرف ومقيماً المآدب العامرة على نفقة خزينة الدولة وجيوب المواطنين ليسوّق نفسه للرئاسة تتكشف فضيحة منع لبنان من التصويت أو الكلام في الأمم المتحدة بسبب عدم سداد اشتراكه.

 

لا غرابة في الأمر، هذه هي سلوكيات تحالف الفساد والسلاح، المآدب والسياحة وتسويق الذات أهم من الالتزام بموجبات المسؤولية العامة وصيانة صورة لبنان التي تضررت حتى التهشيم بفضل السياسات الشعبوية والنهب والاستهتار والفشل واستعداء العالم.

 

الرهان على الثورة

 

كما في ساحات إيران والعراق، كذلك في لبنان، لا مناص من الاعتراف بضرورة تجديد خيار الثورة وإعلاء صوت الشعب؛ على السلاح، على الهيمنة، على الفساد، على المحاصصة، على الارتهان للمحاور، على تهميش الدستور، وعلى كل من نهب وسرق وشوّه صورة لبنان وموقعه ودوره ويسعى لإذلال شعبه وتجويعه.

 

التظاهرات التي عادت إلى ساحات لبنان خلال اليومين الماضيين مؤشر إيجابي، فالناس تدرك أن لا مصداقية لكل وعود الطبقة السياسية، وأن لا قعر لكذبها وفسادها، وتدرك أكثر أن الأيام المقبلة ستكون أكثر سوءاً وقد تتكشف عن انهيار كبير وانزلاق نحو المجهول. والمطلوب استعادة المبادرة وتصحيح البوصلة نحو المطالب الجامعة التي خرج الناس لها وبسببها ولأجلها، حكومة انقاذ، انتخابات مبكرة، استعادة الأموال (المنهوبة والمحتجزة) ومحاسبة الفاسدين، تجديد شرعية السلطات كافة.. والمجد لشعار «كلن يعني كلن».