IMLebanon

مفهوم “العدو” بين التعميم القانوني والتخصيص السياسي

 

التمديد ثلاثة أسابيع لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل بعد مرور المهلة الأولى لمدة عشرة أيام، لا يمكن تفسيره بأنه استجابة للموقف اللبناني في الجوهر بل في الشكل، لأن المطالب اللبنانية التي تبلغتها سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوّض وطرحتها في الجلسة الأخيرة في البيت الأبيض، ستكون موضع نقاش في موازاة المطالب الإسرائيلية والدعوة الأميركية إلى الالتزام الدقيق بما نص عليه التفاهم في 16 نيسان الجاري.

 

وتقول أوساط دبلوماسية معنيّة في بيروت إن المشكلة ليست في النية للتوصل إلى سلام دائم أو في السلام العتيد بحد ذاته، بقدر ما هي في الطريق إلى هذا السلام وتأمين شروطه الموضوعية. فلا إسرائيل قادرة على مواصلة الحرب حتى تحقيق هزيمة كاملة لـ “حزب الله” ونزع سلاحه كليًّا وبالقوة، ولا السلطة اللبنانية قادرة وراغبة في صدام مباشر وواسع مع “الحزب” تحت عنوان تطبيق قرار حصر السلاح بيدها.

 

ومع ذلك، على الدولة اللبنانية أن تتعاطى بواقعية، لأن إسرائيل تتصرف من موقع قوة أو استقواء بعدما وجهت ضربات قاسية لـ “الحزب” واحتلت شريطًا واسعًا في المنطقة الحدودية وتهدد باستئناف القتال في حال فشلت الدولة اللبنانية في إطلاق الخطوات العملية والجدية لحصر السلاح. أما في المقابل، فيسعى “حزب الله” إلى التخفيف من الانطباع بأنه في موقع أضعف من ذي قبل، من خلال محاولة التعويض عبر المزايدة في رفض مبدأ التفاوض وفي شن الحملات على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام والتأكيد تكرارًا عدم استعداده للتخلي عن السلاح في موازاة تعزيز ارتباطه الجذري بـ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” وحتى بما يتجاوز مظلة الولي الفقيه.

 

وفي ضوء ما تقدم، فإن الكلام على كسر وانكسار من هنا وهناك يجافي الحقيقة، فسلاح “حزب الله” سيتم تسليمه عاجلًا أو آجلًا، ومن الواضح أن المسألة ليست على قاعدة “كوني فكانت”، فحصر السلاح مسار معقد وطويل نسبيًّا ولكن ليس بالقدر الذي يسمح لـ “الحزب” بالرهان على الوقت أو على متغيرات معينة، كما أن الخطوات الآيلة إلى الهدف الأساسي لا تقتصر على الضغط العسكري والإجراءات الأمنية فحسب، بل تشمل قرارات وإجراءات رقابية ومالية وقضائية وإدارية، محلية وخارجية.

 

وتلفت الأوساط إلى أن على “حزب الله” أن يفهم، أن زمن احتكار القرار والتصرف الكيفي باسم لبنان واستغياب الدولة قد ولى إلى غير رجعة، وأن السلطة اللبنانية الشرعية هي التي تتولى التفاوض، وليس الرئيس نبيه بري أو “حزب الله” بالواسطة، ولا حتمًا إيران في ضوء فصل المسارين كليًّا. أما الأمر الثاني الذي ينبغي لحظه، فهو أن السلاح سيكون حكرًا على الدولة ومؤسساتها وأجهزتها المعنية، وأن لا مكان للالتفاف على هذا الواقع عبر طرح أفكار لاستيعاب “الحزب” وسلاحه أو لوضع استراتيجية عسكرية أو أمنية، فـ “الحزب” سيستمر على الصعيد السياسي وله أن يعمل وينشط وأن يفوز بمقاعد نيابية إضافية إذا ما استحقها وحصل على التأييد الشعبي اللازم تحت سقف القانون وما يكفله من نظام وحرية.

 

على صعيد آخر، وفي قراءة موضوعية لمفهوم العدو وانطباقه على إسرائيل كيانًا ودولة، ففي القانون وفق ما ينكب على إعداده نائب سيادي سابق وله باع في التشريع، فإن لبنان وإسرائيل وعلى الرغم من كل الحروب والمواجهات والاجتياحات، هما دولتان تعترفان ببعضهما البعض كأمر قانوني واقع، وتاليًا مفهوم “العدو الإسرائيلي” كعبارة صريحة لم يرد في أي نص دستوري أو قانوني لبناني، بل يسود في اللغة السياسية وعلى مستوى المواقف. وهذا لا ينفي أن لإسرائيل نوايا عدوانية، ولكنه لا يبرر أبدًا ما يعمد إليه “حزب الله” من تخوين وتجن واتهامات جائرة بحق كبار المسؤولين في ما يخص قرار خوض المفاوضات المباشرة برعاية أميركية.

 

وللبيان، فإن الدستور اللبناني خلا بمختلف مواده من أي إشارة إلى العدو وتحديدًا “العدو الإسرائيلي” خلافًا لاعتقاد كثيرين. وفي قانون الدفاع الوطني لم ترد عبارة “العدو الإسرائيلي”، بل حدد المهمة الأساسية للقوات المسلحة اللبنانية بمقاومة أي اعتداء على أرض الوطن وأي عدوان موجّه ضده، وذلك بمعزل عن هوية المعتدي سواء كان إسرائيليًا أو غير إسرائيلي.

 

وفي قانون القضاء العسكري، وردت عبارة “العدو” مجردة ووفق منطق حيادي، ومن دون تحديد هذا العدو، والأمر نفسه في قانون العقوبات اللبناني. ولذلك، فإن المزايدات لا تلغي الواقع، ولا سيما أن لبنان وقع أساسًا اتفاقية الهدنة العائدة إلى العام 1949 كاتفاقية بين حكومة لبنان وحكومة إسرائيل.