IMLebanon

العلاقة مع فرنسا

ذكرت كاتبتنا في باريس الديبلوماسية رنده تقي الدين(1)، أن رئيس وزراء فرنسا مانويل فالس قام بزيارة للأردن ومصر والسعودية من غير أن يمرّ في لبنان. ورأت في ذلك دليلاً على سقوط أهمية هذا البلد حتى بالنسبة إلى أقرب دول الغرب إليه. ليس “الأم الحنون” كما في فولكلوريات ما مضى، وإنما الدولة الكبرى التي لم تتخلَّ عن دعم امتدادها الفرنكوفوني الأهم في الشرق.

لم تنظر فرنسا إلى لبنان كمركز مصالح وتجارات. لقد انتهى دور أساكل الشرق، أي الموانئ الاقتصادية، مع نهاية الانتداب. ولكن فيما خرجت فرنسا من أفريقيا بليوبولد سنغور، كان لها من لبنان أسراب من الكتّاب والشعراء والمسرحيّين: جورج شحادة، وناديا تويني، وأندريه شديد، وفؤاد غبريال نفاع، وجيرار خوري، وسمير قصير، وأمين معلوف في كرسي الأكاديمية، وفينوس خوري غاتا.

وظلّت جامعاتها ومعاهدها ومدارسها هنا تحفظ اللغة الفرنسية في الآداب وفي العلوم. ولم يحدث ذلك في البلدان التي خرجت منها سياسياً، مثل مصر وسوريا، على رغم المصريين اللامعين أمثال جورج حنين، أو روبير سوليه، أو إريك رولو، أو حتى بطرس بطرس غالي، الذي عُيِّن رئيس الفرنكوفونية الدولية تعويضاً لإبعاده من الأمم المتحدة في فيتو مادلين أولبرايت، “أم صيّاح” الخارجية الأميركية ذات مرحلة.

لم يبدأ أُفول لبنان في فرنسا اليوم. العام 1974 طار فاليري جيسكار – ديستان إلى أبو ظبي محلّقاً فوق بيروت من غير أن يهبط فيها، كما فعل المسيو فالس في رحلة الأردن والسعودية. ولم يغفر العميد ريمون إده للرئيس، الذي أسقطه في ما بعد عقد ألماس من جان بيديل بوكاسا إلى مدام جيسكار – ديستان. وظلّ العميد يعبّر عن نرفزته: لقد كان ذلك حكماً دولياً على لبنان، كمثل الحُكم المشؤوم الذي أصدره هنري كيسينجر عندما أصرّ على أن يلتقي الرئيس سليمان فرنجيه في رياق، مُعلناً بيروت عاصمة هالكة غير آمنة، مُقِراً أنها عاصمة منظمة التحرير أكثر مما هي عاصمة لبنان.

ولكن مع تصاعُد وحشية الحرب، تصاعَد دور الاحتضان الفرنسي. كان المطران غفرائيل الصليبي، أسقف الروم، يقول إن في فرنسا 210 آلاف لبناني فُتحت لهم جميع الأبواب. وفوق ذلك، عرضت الدولة الجنسية الفرنسية تلقائياً على كل من وُلد في ظلّ الانتداب. وفي عزّ الحرب، قرّر فرنسوا ميتران أن يزور بيروت ليوم واحد، مُطلقاً تصريحه الشهير أن “فرنسا مَدينة للجنرال عون”.

وتحوّلت باريس طوعاً إلى مقرٍّ لجميع السياسيين: الرئيس أمين الجميل، والعميد ريمون إده، والجنرال ميشال عون وضبّاطه. ووفّرت لعون المعاملة والحماية اللتين لم تُقدمها لأحدٍ من سياسيي الدول الأخرى الذين فزِعوا إليها. وكانت قد وقفت ضد أميركا والاتحاد السوفياتي عندما وفرت له الحماية في سفارتها هنا، وتحت هذه الحماية، نقلته إلى باريس، ثم أعادته إلى بيروت، حيث فرشت السياسة خيارات أخرى كالعادة، مما حمل عون على القول في تصريح تلفزيوني: “مخربطة شوي هالأيام مع شيراك”، يومها رئيس الجمهورية الفرنسية الخامسة.

المتغيّر الأساسي خلال عقود طويلة كان نهاية العلاقة الخاصة مع الموارنة وتوسّعها نحو المسلمين الذين كانوا خصومها والساخرين منها ومن لغتها ومن “الشيه نو أباري”. وقد أقام الرئيس رفيق الحريري مع شيراك حلفاً سياسياً مكّنه من استخدام النفوذ الفرنسي الدولي في قضايا كثيرة، وخصوصاً ما عرف بـ”اتفاق نيسان”.

لكن اغتيال الحريري وتقاعُد شيراك، بعد حياة سياسية طويلة، انعكسا على علاقة بيروت – باريس مرة أخرى. ولم يعط نيكولا ساركوزي هذه العلاقة أي أهمية أو اعتبار. وعندما ذهب البطريرك بشارة الراعي إلى الإليزيه لتفقُّد الروابط، وجدَ رجلاً لا يخفي تبرّمه بها وأقرب إلى موريس ساراي، المفوض السامي الذي رفض حضور القدّاس الذي تُقيمه بكركي سنوياً من أجل فرنسا. وكان لبنان يومها أهم لباريس من الجنرال ساراي، فاستدعته واستبقته.

اقتصادياً، ماذا يشكّل لبنان لفرنسا؟ حتى السلاح الذي زوّدته إياه تكفّلت السعودية ثمنه. في حين أن الأشهر الاخيرة شهدت اتفاقات عسكرية مع مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر، تزيد على 75 مليار دولار. والسياسيون الذين كانوا يولّون شطر باريس يوم كان “كرمها دبس” صاروا يولّون عنها، مكتشفين على خريطة العالم كنَف قطر ورعايتها في مصالحات الموسم وتمويل التراجعات. وكالعادة، ظلّ وليد جنبلاط ينقِّل “الجوكر” الذي في جيبه حيث يغفل الآخرون. ومن خلال البطاقة الاشتراكية والأخوة الأممية، ذهب إلى الإليزيه يقابل الرفيق فرنسوا هولاند ويقدّم له وليّ عهد الحزب والقصر، تيمور بك. ويُقال في وصف اتجاهات وليد بك أنه “يرى أبعد من غيره”. أما الحقيقة فإنه فقط يرى. وفي السياسة ليس مطلوباً أكثر من ذلك. لكن الغضب يغشي الأبصار ويوتّر الأوتار.

وفي المذهب الحنفي لا يُسمح للقاضي بالجلوس إلى الحُكم إذا كان ذلك النهار متشاجراً مع زوجته، أو حانقاً على ابنه، أو متخانقاً مع جاره، أو مصاباً بعسر الهضم. يجب ألا يؤثّر شيء على رزانته وعدله.

تقول رندة تقي الدين، العارفة بأعماق الديبلوماسية الفرنسية، إن امتناع فالس عن المرور في بيروت ليس نهاية العالم، لأن هولاند نفسه يكنّ محبة خاصة للبنان. وتشير إلى أن رئيس وزراء بريطانيا جاءنا فقط ليزور المخيمات. والسادة الثلاثة المذكورة أسماؤهم أعلاه، رجال يحترمون أنفسهم ودولهم. مَن يمكن أن يغامر في سبيل دولة زائغة قاصرة مكبّلة وممنوعة من انتخاب رئيسها، في ظاهرة لا مثيل لها في العالم؟

طبعاً، لا ضرورة لأن نشرح الحال لفرنسا. وحالنا مشروح، شبروح، مثل السد الذي تبيّن الآن أنه جاف. ولذا، تعمل مجموعة من النواب لإقامة سد آخر بعد حش (من حشيش) 51 ألف شجرة من رئتيّ لبنان. كنّا نحلّق مرة من جنيف إلى لندن، عندما فتح الطيار الميكرو وقال جملة واحدة: إلى اليسار، أنوار باريس.

كانت المدن المضاءة بالعقل والكهرباء تسمّى “مدينة النور”. هذا كان لقب بيروت أيضاً قبل أن تُوعد بالكهرباء “24 على 24” مثل خفوضات السوق، وإعلانات الاستدراج. واللبنانيون الممنوعون من الإضاءة في عاصمة الظلام تحتضنهم باريس. قبل ثلاثة أشهر تقاعَد غسان سلامة من عُمدة أهم كلية للعلوم السياسية في فرنسا. ولم تنتبه الدولة اللبنانية مرة إلى أنه يجب أن يكون مرشّحها لإدارة الأونيسكو، مع أن محافل النُخب الدولية تتساءل، لماذا هذا الموقف من هذه الشخصية الدولية الموصوفة الكفايات.

في هذه الحال أتساءل، لماذا لا تُقدم فرنسا نفسها على ترشيح غسان سلامة لرئاسة الفرنكوفونية الدولية؟ طالما شكا بطرس بطرس غالي من أنه لم يستطع أن يُسمى وزيراً للخارجية في مصر، لكنه أصبح أميناً عاماً للأمم المتحدة. في المناصب الدولية تزول تلقائياً الكثير من الشروط، كمثل الطائفة والعِرق.

نحن ممنوعون من علاقة جيدة أو مستقرّة مع فرنسا، بسبب وضعها مع سوريا وإيران. ولأن العلاقة “المخربطة” مع شيراك لم تصطلح مع ساركوزي وهولاند. لكن الثابت أن ما من دولة كبرى عاملَتنا مثل فرنسا منذ الاستقلال إلى اليوم. الولايات المتحدة نظرت إلى صغاراتنا باستعلاء إلى درجة أن سفيرها ماكلنتوك جاء إلى العرض العسكري ومعه كلبه. وقد نسيتُ الاسم الأول لماكلنتوك واسم كلبه (البودل). لكن صورة السفير يداعب كلبه خلال النشيد الوطني، لا يمكن أن تُنسى. أما بريطانيا، فبعدما انتهت معركتها مع فرنسا في المشرق، فصارت تكتفي بأن تُرسل إلينا “المستشار الشرقي”.

والآن تُرسل إلينا – وإلى سوانا – نوعاً آخر من السفراء كمثل سفيرها السابق طوم فلتشر، الذي ترك لنا رسالة وداعية لم يقرأها أحد. رسالة إلى اللبنانيين تقول “لا تنصتوا إلى الخارج. كفّوا عن اللحاق بالأمم. تمعّنوا في ما وصلتم إليه”.

كان فلتشر يرتدي باستمرار قميصاً بيضاء عادية من دون ربطة عنق. وكان يُنادى “طوم” وليس Mr. Ambassador لأن الإطنابات أصبحت إضاعة للوقت في “الفورين أوفيس”. وبعد ظهر ذات أحد، رأى ابني ديفيد كاميرون يقف خلفه عند طابور الصندوق في مخزن “إيكيا” الشعبي، فرجاه أن يأخذ مكانه. لكن المستر كاميرون اعتذر ضاحكاً: “هذا يوم عطلة حتى من رئاسة الوزراء”.

تُعلّم الأديان والنظُم العاملة بالقانون، التواضع. خسر جورج بوش الأب معركته أمام مجهول يُدعى بيل كلينتون بسبب عنجهيته الفارغة التافهة والقليلة الأدب. روى لي طبيب عظام من جنوب أفريقيا أنه بعد انتخاب نلسون مانديلا رئيساً، جاء إلى مدينة كيب تاون، حيث لا بيت له، وقرّر النزول في فندق. ووقف مدير الفندق على المدخل يرحّب به “أهلاً بالرئيس مانديلا”.

وردَّ أشهر افريقي في التاريخ: آه، كم هو لطف منك أن تتذكرني!…

(1) “الحياة”، الاثنين 21 تشرين الأول.