مخاطر استيلاد الأزمات وإضاعة الفرص

 

في الوقت الذي يشكّل فيه تعدد الأديان والطوائف والأجناس واختلاف الاثنيات مصدر غنى ومحط افتخار في أمم عديدة، حيث يسعى الجميع كمجموعات أو فئات أو مواطنين للعمل معاً في ظل الدستور والقوانين من أجل رفعة الوطن وبناء الاقتصاد وتحقيق الازدهار وصيانة الاستقرار وتكريس السلم والأمان للجميع، تشكل الطوائف اللبنانية مصدر قلق واضطراب للدولة وللمجتمع على حد سواء.

برعت الطوائف اللبنانية والفئات السياسية المنبثقة عنها في اختلاق الازمات، والتي تحوّلت في محطات عديدة، الى صراعات دامية وحروب طائفية أو مذهبية، هددت الكيان ودمرت الاقتصاد واضاعت الفرص الذهبية التي كان من الممكن ان يستفيد منها المواطن والمجتمع. والمؤسف ان زعماء الطوائف وقادة الفئات السياسية الخارجين من رحمها دأبوا في مواقفهم وسلوكياتهم المدمّرة لوحدة المجتمع، والمعطلة لكل مؤسسات الدولة، والخارجة عن الدستور والقانون على زراعة الفرقة والفتنة بين اللبنانيين، تحت شعار حماية مصالح الطوائف التي ينتسبون اليها، ومنع الاعتداء عليها، ورفعاً للغبن اللاحق بها.

ما أبلغهم في صياغة شعاراتهم الطائفية، وما ابرعهم في رفع سقف مطالبهم لاسترجاع الحقوق المهدورة، ولمنع أي انتقاص لدور الطائفة أو المس بكرامتها. عذرهم في ذلك الحفاظ على امانة التمثيل، والدفاع عن صيغة العيش المشترك وحماية مبدأ الميثاقية الذي نصت عليه مقدمة الدستور، متجاوزين في اغلب الأحيان حقوق الطوائف الأخرى وسيادة الدولة والقانون والدستور.

واللافت أنه غالباً ما تختلط في الأزمات المستولدة شعارات حقوق الطائفة مع مصالح الحليف الخارجي سواء كان هذا الحليف سوريا او إيران او المملكة العربية السعودية حيث يجري تقديم أولوية تحقيق نفوذ هذا الحليف ومصالحه على حساب مصالح لبنان العليا ووحدة شعبه وازدهار اقتصاده. وهكذا نرى ان الازمات الجيوستراتيجية تتلاحق دون أي مراعاة لسيادة لبنان أو لسياسة «النأي بالنفس» التي نصّ عليها البيان الوزاري للحكومات المتلاحقة منذ عام 2011، كما نص عليه اعلان بعبدا والذي وقعت عليه جميع القوى الطائفية والفئات السياسية المنبثقة عنها.

لن نعود للتدليل على تلك الأزمات الحادة الى العقود الماضية من عمر الاستقلال، بل نكتفي بالتذكير بالأزمات المتتالية التي جرى استيلادها داخلياً وخارجياً من اجل عرقلة تأليف «حكومة العهد الأولى» بعد الانتخابات العامة التي جرت في العام الماضي. لقد اضاعت القوى الطائفية والفئوية العديد من الفرص الثمينة بحجة الدفاع عن مصالح ضيقة على حساب المصالح الوطنية وخصوصاً ما يعود منها للتنمية الاقتصادية الموعودة من خلال تنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر» والذي كان قد اشترط على لبنان تشكيل حكومة أولاً، واجراء عدد من الإصلاحات البنيوية في اقتصاده وماليته ثانياً، بالإضافة الى الحد من الفساد الكلي الذي تتشارك فيه جميع الطوائف والفئات دون استثناء.

كان من المفترض ان يسهل الجميع عملية تشكيل الحكومة العتيدة خلال بضعة أسابيع، ولكن براعة البعض في استيلاد العقد والأزمات قد حال دون ذلك، خلال فترة زادت على ثمانية اشهر، وهي مستمرة دون وجود أي افق زمني لنهايتها.

تناست القوى الطائفية والفئوية الضغوط الاقتصادية والتوصيات التي قدمتها المؤسسات المالية الدولية باعتماد إصلاحات مالية واقتصادية لمواجهة الازمة الاقتصادية الراهنة. دفعت سياسة «اللامبالاة» بالتوصيات الدولية وكالة «مودي» لإعادة النظر بتصنيف لبنان وجاء التصنيف سلبياً، ليزيد من تفاقم ازمة نقص السيولة التي تواجهها المصارف، والتي لجأت الى رفع فوائدها الى مستويات غير مقبولة.

بدل التركيز على تخطي الحواجز التي رفعوها في وجه تشكيل حكومة، فقد استحضروا أزمة المصالحة مع النظام السوري، وبالتالي الانفتاح على سوريا اقتصادياً ومعالجة أزمة النزوح على حساب وحدة الموقف السياسي والشعبي، وعلى حساب علاقات لبنان العربية والدولية. وشكل  انعقاد القمة الاقتصادية التنموية في لبنان مناسبة لاستحضار أزمة عدم مشاركة سوريا في القمة بقرار عربي. وتوالت الاجتهادات والضغوط لتجاوز قرار الجامعة العربية، والتي لم تتجاوب مع مطالب لبنان. وقبل أن تهدأ عاصفة دعوة سوريا للمؤتمر تفجرّت أزمة حادة حول دعوة ليبيا للمشاركة في القمة انطلاقاً من عدم تجاوب ليبيا في الكشف عن مصير الامام موسى الصدر، وترافقت الازمة مع تهديدات قيادات حركة أمل بمنع الوفد الليبي من الوصول الى المؤتمر، من خلال افتعال احداث اخلال بالأمن مشابهة لأحداث، 6 شباط عام 1984.

كان يمكن أن تشكل القمة الاقتصادية التي ستنعقد في 19 و 20 من الشهر الجاري فرصة للبنان لتحفيز الدول العربية ورجال الأعمال العرب لاستعادة الثقة للاستثمار في لبنان.

ستحول الأزمات المفتعلة بخصوص مشاركة سوريا وليبيا من قبل بعض القوى الطائفية والفئات السياسية دون جني الفوائد المتوقع تحقيقها، من خلال نجاح القمة، ومن خلال اظهار عودة لبنان الموحد الى الفضاء العربي.

في ظل الازمات المتلاحقة غابت كل الاتصالات والجهود لتشكيل الحكومة، وارتفعت المخاطر المترتبة على الاقتصاد والمصارف اللبنانية بفعل التحديات الإقليمية والضغوط الأميركية الناشئة عن العقوبات التي يجري تطبيقها ضد ايران وحزب الله، والتي تترافق مع مجريات الدعوى المرفوعة ضد البنوك اللبنانية الكبرى في نيويورك بحجة تقديمها خدمات ومساعدات لحزب الله أدت للتسبب بأضرار لمواطنين إسرائيليين واميركيين.تستدعي كل كل هذه المخاطرالداخلية والجيوستراتيجية من كل القيادات الطائفية التحلي بالمسؤولية ووقف ممارساتهم المدمرة للاقتصاد والسيادة الوطنية .

يبدو من السياق السياسي الداخلي وحال عدم المبالاة بالضغوط الإسرائيلية على جبهة الجنوب والتطورات الإقليمية الكبيرة بعد اعلان الانسحاب الأميركي من سوريا بأن لبنان مرشح ليشهد المزيد من الازمات، والتي ستعرضه في نهاية المطاف الى فتنة داخلية او الى اندلاع حرب مدمرة مع إسرائيل تأتي على ما تبقى فيه من بنى تحتية.