IMLebanon

سرّ قلق الطبقة السياسية على الإقتصاد

 

لماذا ارتفع منسوب القلق بسرعة حول الوضع المالي والاقتصادي في هذه المرحلة، وهل هناك مؤشرات مستجدة، تدعو الى هذا القدر من «الرعب»، وتدفع الطبقة السياسية الى إطلاق تصريحات يومية حول دقة الوضع؟

في البيان الأخير الذي نشرته وزارة المالية على موقعها الرسمي، يتبين ان حجم الدين العام ارتفع حتى نيسان 2018 الى 81,75 مليار دولار، أي بارتفاع سنوي بلغ 62,27 %. وهو معدل يجمع بين الدين بالليرة والدين بالعملات. ويشكّل الدين بالليرة 62,62% اي حوالي 51,19 مليار دولار، في حين تبلغ الديون الخارجية حوالي 30,56 مليار دولار.

نسبة نمو الدين العام تعطي مؤشرا واضحا للمسار الذي سيسلكه الوضع المالي في المرحلة المقبلة. واستنادا الى الأرقام الرسمية لوزارة المالية، ووفق نسبة نمو الدين المسجلة حتى الان، فان العام 2018 سينتهي على دين يبلغ حوالي 85 مليار دولار. في المقابل، فان حجم الاقتصاد المقدّر حاليا بحوالي 55 مليار دولار، سيرتفع في نهاية العام الى 55,8 مليار دولار، اي بنسبة 1,5%.

ما يثير القلق في هذه الارقام، ان كل التقديرات، بما فيها المتفائلة منها، لا تشير الى تغيير جذري في نسب النمو، سواء بالنسبة الى الدين، أو بالنسبة الى حجم الاقتصاد (PIB). وهذا يعني ان الهوة بين الدين والاقتصاد سوف تنمو باضطراد وسرعة اكبر مع الوقت. ومن المعروف انه عندما يتساوى حجم الدين العام مع حجم الاقتصاد، تحتاج الدول الى نسب نمو متساوية للحفاظ على وضعها كما هو. لكن عندما يتجاوز حجم الدين حجم الاقتصاد، تصبح الدول محتاجة الى نسبة نمو اقتصادي اكبر من نسبة نمو الدين، لكي تحافظ على استقرارها. في الحالة اللبنانية، وبما ان الدين اقترب من نسبة 150% من حجم الاقتصاد، فان البلد يحتاج الى نمو اقتصادي يساوي النسبة نفسها (150%). أي أن الاقتصاد يحتاج الى نسبة نمو سنوي تبلغ 9,40% لكي يبقي الوضع على ما هو عليه اليوم. أما تحسين الوضع، فيحتاج القفز فوق هذه النسبة، وهو أمر خيالي على الأقل في السنوات الخمس المقبلة. وقياسا الى النسب القائمة حاليا، فان الدين العام اللبناني نسبة الى حجم الاقتصاد سيصل الى حوالي 240% في العام 2022.

هذه الوقائع على خطورتها وقساوتها، ليست الحافز الاساسي للقلق الذي تبديه القيادات السياسية في هذه الفترة، لأن هذا المسار المالي معروفٌ الى اين سيوصل. ومن يتابع ما يُكتب اليوم، من قبل الخبراء يدرك ان النقاشات لا تتمحور حول اذا ما كان الانهيار سيقع ام لا، بل تركّز فقط على التوقيت. وهكذا تتراوح القراءات بين متشائم يرى ان وقت الحقيقة اقترب جدا، وبين متفائل يمنح البلد سنة او سنتين.

لكن المؤشرات المستجدة في شأن التوقيت بالذات، هي المسؤولة عن زيادة منسوب القلق. اذ تبيّن ان القروض المدعومة بدأت تتوقف، الواحد تلو الآخر. وبعد فترة الجمود التي سجلها القطاع العقاري في السنتين الاخيرتين، بدأت مشاريع كبرى بالانهيار، مع ما يستتبع ذلك من تداعيات مالية تطاول اكثر من قطاع. اسعار الفوائد التي ارتفعت ابان أزمة استقالة الحريري الاولى في السعودية، لم تعد الى طبيعتها بعد انقشاع الأزمة. وهناك من يعتقد انها سترتفع مجددا عما قريب.

الى هذه المؤشرات المباشرة، والتي تُضاف اليها طبعا كل النتائج السلبية التي تسجلها القطاعات الاقتصادية بلا استثناء، هناك المؤشر الأهم والاسوأ، وهو المؤشر السياسي الذي لا يوحي بأن القلق الذي تبديه الطبقة السياسية حيال الوضعين المالي والاقتصادي سوف يُترجم تضحيات وعملا جديا على الأرض لبدء مسيرة الاصلاح، ووقف الهدر والفساد.