كان المشهد الأكثر دلالة ورمزية على عمق التحوّلات الكامنة التي تشهدها الساحة الشيعية، مشهد أيمن عاصي الناشط السياسي وصاحب سوبر ماركت في بلدة أنصار، وهو يدعو في صلاته للرئيس جوزاف عون بدوام الصحة وأن يحفظه اللّه قبل أن يكمل الصلاة ركوعًا وسجودًا وتسليمًا… في رسالة ذات أبعاد متعدّدة، منها أن أبناء الجنوب ملُّوا وتعبوا من سياسات “الثنائي” الشيعي، فلاذوا برمز الدولة وهو الرئيس عون، خاصة إذا علمنا أن عاصي سمّى ولده البكر “نبيه بري” على هويّته لشدّة حبّه لـ “الأستاذ”.
بدأ الجمهور الشيعيّ يلمس الابتعاد والتنائي بين الرئيس بري و “حزب اللّه” وأن داخل “الحزب” أكثر من تيّار وتوجّه، ويتجلّى ذلك في الردّ العنيف الصادر عن المكتب الإعلاميّ لبري ضدّ جريدة “الأخبار” ووصمه إيّاها بصفات الكذب المتعمّد، وإصراره على اعتبار أن في “الحزب” من يستهدف دوره من خلال تحميله مسؤولية نتائج اتفاق وقف إطلاق النار، واعتبار أنه اتفاق ذلّ واستسلام، وهذا ما يستمرّ البعض في “الحزب” بترديده عن قناعة، ويزعج بري بالتأكيد.
صحيح أن حملات البذاءة التي أطلقها “حزب اللّه” عبر أدواته، ركّزت على الرئيس عون، لكنها طالت الرئيس بري بأسلوب جريدة “الأخبار” التي خوّنته عمليًا (من المنظور الشعبي) عندما قالت إنه مع رفع المستوى السياسي في التفاوض مع الجانب الإسرائيلي.
كما أن التوترات الميدانية بين أنصار “الحزب” والحركة لا تتوقف، خاصة أن “الحزب” لم يعد يتعاون مع الجيش وتسبّب عدم التعاون في استهداف المزيد من الأشخاص والمنازل والمنشآت. وهذا الأمر مرشح للتصاعد مع التشدّد الذي يبديه “الحزب” تجاه استكمال حصر السلاح جنوب الليطاني، الأمر الذي لا يؤيّده بري ويريد جمهور الحركة الخروج من الدائرة المفرغة المتعلّقة بالسلاح غير الشرعي.
يستشعر عموم الشيعة بتهالك وضعف النظام الإيراني، وقد بدأ مسار الضعف من لبنان ليمتدّ إلى إيران ويرجع بدوره إلى بلاد الأرز، فـ “الحزب” يرتبط بطهران بحبل الحياة، وبدونها سيفقد قدراته على الاستمرار، مهما بلغت قدراته الداخلية، لأن “ماله وسلاحه.. وأكله وشربه.. من إيران”، وكلّما قتل نظام الملالي المزيد من المتظاهرين (أكثر من 30 ألف ضحيّة في اليومين الماضيين)، زاد الثقل على كاهل شيعة لبنان الذين أكرههم “الثنائي” على ارتكاب موبقات شديدة منها المشاركة في الحرب على الشعب السوري وتبعاتها، والانخراط في العدوان على الشعوب العربية…
كلّما ازداد القمع في إيران ازدادت المخاوف في الضاحية الجنوبية من التداعيات ومن الترهّل الذي أصاب ملالي طهران بعد كسر ذراعهم في لبنان وتكبيلها في العراق وتحجيمها في اليمن، فضلًا عن تحرّر “حماس” من الهيمنة الإيرانية والتجائها إلى المأوى التركي القطري، ووقوع طهران نفسها تحت وطأة التهديد بالحرب وبهوت العنتريات الإيرانية ومزاعم الاستعداد لكسر القوّة الأميركية التي تتجمّع في الخليج والأردن.
بصعوبة بالغة تمكّن “حزب اللّه” من حشد بعض الأبواق للتضامن مع إيران ضدّ أميركا، لكنه تضامُنُ رفع العتب لأن من تضامنوا في “الساحة” هم جحا وأهله، فلم يعد هناك وهج ولا جذب لأحد من اللبنانيين للوقوف في الصف نفسه مع أتباع إيران في لبنان… حتى جبران باسيل، بات يستخدم “الحزب” لتخويف اللبنانيين منه ولتعزيز موقعه في “تحالف الضرورة” الذي يحتاجه في الانتخابات النيابية المقبلة، بعد مرحلة “تفاهم مار مخايل” التي أوصلت رئيس جهنم ميشال عون إلى قصر بعبدا، في ما عُرِف بتحالف السلاح غير الشرعي مع الفساد.
لم يعد هناك وقت أمام “الثنائي” للبقاء معًا، فارتباطهما هو أقرب إلى زواج المتعة الذي دام طويلًا جدًا، وقد بدأت علامات الانفصال تظهر عليه تدريجيًا، واقتربت لحظة الطلاق التي ستأتي بسبب إغراق “الحزب” في التمسّك بسلاحه ورفض التجاوب مع الدولة في المرحلة الثانية من حصر السلاح شمال الليطاني، وهو وضع احتدم منذ أيام بالفعل، وجرى التعبير عنه بالصفعة التي وجّهها بري لجريدة “الحزب” وانطلاق بعض قياديي الحركة في استهداف رئيس تحريرها مباشرة، وتسريب بري أنه رفض أي رواية تدّعي عدم مسؤولية “الحزب” عمّا ورد في “الأخبار”.
تحمل الأيام المقبلة مؤشرات واضحة على أن الدولة ستنتقل إلى مرحلة جديدة في حصر السلاح، وسيعود قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن بقرار حاسم لا رجعة عنه، وهو مواصلة مسار إنهاء السلاح غير الشرعي، وهذا سيفرض على الجميع الاصطفاف خلف الدولة ودعمها، وإنهاء تطاول الأبواق السامّة على هيبة الدولة ورموزها ومؤسساتها، وليس فقط الدعاء لها في الصلاة…