IMLebanon

برج بابل… اللبناني  

 

في الدين المسيحي، استناداً الى الكتاب المقدّس العهد القديم، وتحديداً في سفر التكوين جاء الكلام على برج بابل: «وحدث في إرتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة في أشنعار وسكنوا هناك. وقال بعضهم لبعض: هلمّ نصنع لبناً ونشويه شياً، فكان لهم اللبن مكان الحجارة، وكان لهم الحمر مكان الطين. وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا إسماً لئلا نتبدد على وجه الأرض». [2-4].

ولكن الإله السرمدي فرّق الألسن (أي اللغات) أي بلبلها بعدما كان البشر ينطقون بلغة واحدة. وهذه البلبلة هي ما قصدناه من الإشارة الى برج بابل الشهير في المراجع الدينية وفي الأسطورة كذلك.

ونحن في لبنان نكاد نحاكي برج بابل من حيث اللغط والأخذ العنيف والرد الأكثر عنفاً في كل قضية وأزمة ومسألة. لدرجة أننا بتنا في ما يشبه ما يومئ اليه مثلنا السائر «حمّام مقطوعة مياهه».

أليست هذه حالنا، هذه الأيام، في مسألة العسكريين الشهداء؟ إنها واحدة من أقدس قضايانا على مرّ تاريخنا، وخصوصاً التاريخ اللبناني الحديث. ومن أسف شديد، أنه باستثناء ذوي الشهداء المنكوبين بفقدان أبنائهم وأحبابهم وأعزائهم في أبشع الجرائم الإرهابية، ومعهم قلّة من أصحاب النيات الحسنة، فإنّ الجميع يريدون أن يدلوا بدلائهم في بئر هذه القضية الوطنية الكبرى، المؤلمة جداً… من يعرف ومن لا يعرف. من تعنيه، ومن لا تعنيه، من هو على معرفة ومن هو على جهل (وما أقل العارفين وأكثر الجَهَلَة)…

كلام من هنا، نظريات من هناك، تفلسف من هنالك، اسفاف من قريب وبعيد. الكل يتحدث في آن معاً. والكل ينطلق من مواقف مسبقة وقرارات مسبقة.

صحيح أن القضية كبيرة على مختلف المستويات والصعدان الوطنية والإنسانية والعائلية أيضاً، إلاّ ان هذه الإستباحة في تناولها كيفما كان وممن كان من شأنها أن تسيء اليها والى الشهداء الأبرار، من حيث يدري البعض ومن حيث لا يدري البعض الآخر من هؤلاء الذين يسنون ألسنتهم لتكون جاهزة لمثل هذه البلبلة في المناسبات كلها.

لقد كنا، في هذه الزاوية، أول من طالب بفتح تحقيق في قضية إختطاف العسكريين قبل أن نكون نعرف أي شيء يتعلق بمصيرهم، بل قبل أن تبدأ عملية تحرير الجرود. واليوم ندعو الى فسح المجال أمام التحقيق ليأخذ مجراه مع إصرارنا على تحديد المسؤوليات.

وليكف الذين يدسون أنوفهم في كل كبيرة وصغيرة. وليصمت محترفو الشتيمة. وليتوار الغيارى المزعومين. ولنحترم جرح الأهالي العميق وحزنهم الأعمق، ولنترك المسالك طبيعية أمام مسار التحقيق.

والمجد والخلود للشهداء الأبرار. وكان اللّه في عون ذويهم. وكله يرخص في سبيل هذا الوطن المقدّس لبنان.